Beirut weather 9.27 ° C
تاريخ النشر April 8, 2016 04:19
A A A
أطلبوا العلم ولو في سن الـ 85
الكاتب: مايز عبيد - البلد

بالحركة السريعة واليد الرشيقة تحرك “خانم الأتاسي” الصنارتين وتتلاعب بهما بيديها فتحيك الصوف بإتقان وعناية ملتزمة ما تعلمته من مدرّباتها من تعليمات بحذافيرها. “اطلبوا العلم ولو في الصين ” و “اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد”، ليست مجرد شعارات أو أقوال تجافي الحقيقة والواقع لأن من أراد العمل بها سيجد ضالته في ذلك وليست الصعوبات كبيرة أمام النية والعزيمة. فالحاجة “خانم الأتاسي” وعلى الرغم من كونها سيدة مهجّرة من بلادها وأماً لأولاد وأحفاد وفي منتصف العقد الثامن من عمرها، لم تتورع عن تلقي العلم والمعرفة وكسب المزيد منهما وكأنها في بدايات حياتها.
في عمر الـ 85 سنة لا تتردد الحاجة “خانم الأتاسي” من زيارة “مركز التنمية المجتمعية” في وادي الجاموس في عكار للمشاركة والإشتراك في الدورات المختلفة التي يقدّمها المركز للبنانيات والسوريات معاً من رواده.
هذه السيدة الحمصية إبنة الـ 85 سنة لا تتردد في التعلّم وكسب المعلومات وتداوم 3 أيام في الأسبوع وشاركت في دورات عدة كان آخرها: دورة في حياكة الصوف بالصنارة.

مشتل الزراعة
تسكن خانم الأتاسي حالياً في منطقة العبدة – مشتل الزراعة وهي من المهجرين السوريين من مدينة حمص. صبيحة كل يوم دوام تستعد الأتاسي فتجهز نفسها وتنتظر الباص ليقلها إلى مركز التنمية الكائن على مدخل بلدة وادي الجاموس العكارية، والذي يقدّم دورات مجانية للبنانيات والسوريات في مهن وعلوم مختلفة، كالماكياج والخياطة والتطريز واللغات وغيرها.
“صدى البلد” التقت الحاجة “خانم الأتاسي” التي أكّدت في حديثها أن العمل والإنتاج هما أهم شيئين في حياة الإنسان وأضافت “لقد تعلمت هنا الكثير حتى في المهن التي أعرفها مسبقاً استطعت أن أزيد معارفي بها والعمل من أهم الأشياء التي تجعل حياة الإنسان سعيدة وتعطي لها معنى وقيمة وهو سلاح مهم جداً وبالأخص للمرأة، إضافة إلى أن الإنسان طالما ما زال موجوداً على قيد الحياة عليه السعي والجد والعطاء دون كلل أو ملل لأن قيمة الإنسان بما ينتج”.

دورات تعليمية
ورداً على سؤال اعتبرت الحاجة (خانم الأتاسي) “أن العمر وكبر السن ليسا مشكلاً أو عائقاً أبداً أمام الإنسان كي يتعلم ويشارك ويكون فاعلاً في المجتمع ونحن مأمورون شرعاً وبكل المقاييس أن نتعلم كل ما استطعنا من العلوم والمهن، ووجودي هنا أكبر دليل على ما أقوله. وعلى الرغم من أنني لا أسمع كثيراً ولدي صعوبة في الحركة والتنقل إلا أنني أعتبر أن المكوث في البيت سيكون بالتأكيد أكثر ضرراً على صحتي العقلية والبدنية من وجودي هنا لأتعلم. هناك فتيات معي في الدورات أعمارهن من عمر أحفادي ومع ذلك هذا الأمر لم يشكل عامل قلق بالنسبة إلي بل كان عامل تشجيع وتحفيز لأمارس حياتي وهواياتي وأثبت أنني موجودة كإمرأة تسعى للإرتقاء بذاتها وبمجتمعها”.

مركز التنمية المجتمعية

أتعلم لأعلم
وتنوه الأتاسي بخدمات المركز وتقول في معرض حديثها “إنها تنتهز كل فرصة وكل دورة يقدمها المركز القريب من مكان سكنها فتتسجل في دوراته وهي تتابع حالياً دورة في حياكة الصوف وتصنع حالياً كنزة الشتاء وتأخذ معها الصوف إلى المنزل فتتابع تنفيذ ما تعلمته حتى تكتمل الكنزة فتعود في المرة التالية وتعرض ما أنجزته على المدرّبة المسؤولة عن الدورة، حيث يبدي الجميع من مدربات ومتدربات إعجابهن وتقديرهن لأداء الأتاسي وما تقوم به من تفانٍ في إتقان العمل والتحدي للوصول إلى أفضل نتيجة”. وتضيف “أنا هنا كي أعلم أحفادي ما أتعلمه من حياكة وتطريز وواجبي تجاههم أن أقدّم لهؤلاء الصغار علوماً تنفعهم في حياتهم ومستقبلهم وتكون السند بالنسبة إليهم عندما يكبرون”.

“لا تخجلوا”
وختمت الأتاسي حديثها بنصيحة إلى الجيل الجديد “لا تخجلوا ولا تخافوا ولا تقولوا كبرنا فالعلم لا يعرف سناً له ونصيحتي تحديداً إلى كل بنت وامرأة في كل الأوطان العربية أن يتعلمن ويتدربن ويملكن المهارات والشهادات ولا يتوقفن عند سنٍ هنا أو وضع اجتماعي هناك فهذه الحياة للأقوى فكونوا أبنائي جديرين بها كي تكون الحياة إلى جانبكم والحظ كي يحالفكم”.
مديرة مركز التنمية المجتمعية في وادي الجاموس – الذي تديره جمعية الحداثة بالشراكة مع المجلس الدانمركي للاجئين DRC وبتمويل من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين UNHCR – السيدة رولا موسى من جهتها قالت في حديثها إلى “البلد”: “إن هذا المركز وُجد في الأصل كي يكون عوناً وسنداً لمن لا عون لهم من اللبنانيات والسوريات وجاء تلبية لحاجة المجتمع اللبناني الذي تلقى عدداً كبيراً من النازحين في كل قرية وبلدة خصوصاً في عكار، فكان عملنا من خلال هذا المركز أن نؤمن حاضنة اجتماعية وإنسانية للنساء والفتيات والأطفال، واليوم نستطيع القول بعد أكثر من عامين على عمل المركز إنه استطاع تحقيق الغاية المرجوة من إنشائه، وما وجود سيدة مثل خانم الأتاسي وغيرها من الحالات إلا دليل على أن المركز يحقق تفاعل المرأة مع مجتمعها بشكل أفضل من السابق”.

تكريم الأتاسي
في الـ 21 من شهر آذار كرّم المركز “خانم الأتاسي” كأكبر أمّ مشاركة في دوراته وقدمت لها زميلاتها والمدربات الهدايا والورود تقديراً لنشاطها ومثابرتها على الدورات التعليمية رغم كبر سنها ومعاناتها من عدة مشاكل صحية.
تحاول “خانم الأتاسي” تلك المهجّرة والسيدة الكبيرة في السن ورغم ظروف الحياة القاسية والتي ليس أقلها التهجير والترحيل من الوطن والبيت والأرض، إيصال رسالة إلى كل إنسان وكل فتاة وامرأة على هذه الأرض “أن العلم سلاح أساسي في الحياة وبالأخص لدى الفتاة وهو جواز عبورها إلى الحياة بأمان واطمئنان وسعادة”.