ترك إحصاء عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان سلسلة تساؤلات حول ماهية هذه العملية الحسابية وفي هذا الوقت بالذات، مع الإشارة إلى أن “حليمة عادت لعادتها القديمة” في الموضوع الفلسطيني لناحية التوطين والإحصاء والحقوق المدنية، بدءًا بما سمّي لجنة الوزيرين في العام 1991 في حكومة الرئيس عمر كرامي عندما كُلّف الوزيران شوقي فاخوري وعبدالله الأمين مسألة الحقوق المدنية للفلسطينيين ليطرح هذا الأمر في الحكومات المتعاقبة، ثم ليغيب عن السمع لسنوات ويطل اليوم من خلال عملية الإحصاء التي، بحسب أكثر من جهة سياسية لبنانية عليمة، لها أبعاد سياسية أكبر بكثير من عدد الفلسطينيين الموجودين في لبنان.
صلاح يكشف لـ”النهار” ما يحصل حول الإحصاء وخلفياته
وفي هذا السياق، يقول القيادي الفلسطيني صلاح صلاح لـ”النهار” ان “ما جرى اخيرًا بالنسبة الى احصاء عدد الفلسطينيين المقيمين في لبنان له جوانب عدة، وبالتالي لم تنحصر هذه العملية في الأرقام على رغم عدم صحتها. فأولاً جاء ذلك نتيجة الحوار اللبناني – الفلسطيني من منطلق إنساني، إذ هناك مشكلة كبيرة تتعلق بالحقوق المدنية للفلسطينيين حيث يرى البعض أن خمسين ألف عامل فلسطيني مثلاً قد يأكلون اللقمة من فم اللبناني، في حين ثمة عشرات الآلاف من العمّال السوريين والمصريين والسودانيين ومن دول آسيوية”. ويضيف: “هذه وجهة نظر بالنسبة الى البعد الإنساني، أو قد يكون الإحصاء أيضًا لإحداث توازن بين المذاهب والطوائف اللبنانية، مع الإشارة الى أنه في حقبة الخمسينات كانت هناك موافقة على توطين مئة وخمسين ألف لاجئ فلسطيني، وهذا ما طرحه حينذاك ملك ليبيا السنوسي”.
وفي الشقّ الآخر، يبدي القيادي الفلسطيني قلقه من “عامل مخيف يتمثل بتصفية وكالة “الأونروا” التي تعنى بشؤون اللاجئين الفلسطينيين وإلغاء دورها، خصوصًا إذا أوقفت الولايات المتحدة الأميركية دعمها المالي، ما يعني أن “الأونروا” ذاهبة إلى تفليسة مالية، وعندئذ حكمًا ستتحمل الدولة اللبنانية عبء اللاجئين الفلسطينيين”، مشيرًا إلى أن “وزير الخارجية سابقا فارس بويز سبق له ان طرح مشروع التوطين من خلال توزيع الفلسطينيين على دول الخليج وأوروبا وغيرها، بمعنى هناك طروحات كثيرة حصلت ماضيًا والآن ثمة مشروع جديد يطرح. وهنا لا أستبعد البعد السياسي في ما يحصل حاليًا في سياق وضع المنطقة المأزوم من حروب وتحولات، مما يؤكّد أن مشروعًا ما يجري الإعداد له للتوطين أو ما يتعلق بمسألة الفلسطينيين في لبنان، فهذا الإحصاء غير دقيق إطلاقًا باعتبار أن المعلومات التي نملكها تؤكد أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان هو حوالى 450 ألفا، في حين أن الإحصاء تحدث عن 174 ألفا، وفي هذه الحال ستقول “الأونروا” كيف يمكننا استمرار التقديمات والمساعدات لـ 450 ألف فلسطيني في حين أن الرقم هو 174 ألفا، ما يعني انه يجب تقليص الخدمات وربما وقفها”، محملاً الدولة اللبنانية مسؤولية ما يحدث “من منطلق ضرورة إيلاء الحقوق المدنية للفلسطينيين العناية المطلوبة من فرص العمل وغيرها من الخدمات أسوة بالمقيمين السوريين وغيرهم. هذه المشكلة أساسية ويجب الأخذ بها من منطلقات إنسانية كي لا نصل إلى الإنفجار الإجتماعي الذي بات على الأبواب”.
ويكشف صلاح أن هناك فلسطينيين في الريف اللبناني وعددهم لا يستهان به ،هم خارج الإحصاء الأخير، مثل جدرا والرميلة وغيرهما الكثير من القرى والبلدات في الساحل والجبل والجرد، مضيفًا أن “باحثين إقتصاديين على مستوى كبير ومعظمهم من الأخوة المسيحيين، يؤكدون أن الفلسطيني عامل أساسي داعم للإقتصاد اللبناني خصوصًا من المغتربين الذين يعملون في الخليج ودول أخرى، ويجب التوقف عند هذه المسألة المهمة”.
وعن دور السلطة الفلسطينية يقول: “بصراحة، الرئيس الفلسطيني محمود عباس يولي هذه الأمور اهتمامه، لكن المخاوف تكمن في ما يحاك من مشاريع خطيرة جدا وتتناول حق العودة، فهذا الامر رفض في أوسلو وترفضه إسرائيل والولايات المتحدة، وفي كل المبادرات الأميركية يُطرح توطين الفلسطينيين حيث هم، والمطلوب من أبو مازن نسيان حق العودة، لذلك لدينا مخاوف سياسية في إطار المحاولات الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية”. ويؤكد أن وضع المخيمات الفلسطينية ممسوك من القوى الأمنية اللبنانية والسلطة الفلسطينية، “ولكن ثمة قوى أصولية إرهابية متواجدة في المخيمات، وهذا ما تتحمل مسؤوليته الأجهزة الأمنية اللبنانية، إذ كيف سمحت لهؤلاء بالدخول إلى المخيمات كيفما أرادوا والخروج منها، وهؤلاء هربوا من سوريا ولهم ارتباطات مع بعض الجماعات الإرهابية؟”.


Beirut weather 25.41 ° C