Beirut weather 26.27 ° C
تاريخ النشر December 12, 2017 06:01
A A A
جون كيري الشجاع الوحيد في أميركا!
الكاتب: سركيس نعوم - النهار

كانت الإدارة الأميركيّة التي فاوضت إيران على “الاتفاق النووي” ثم وقّعته مع شركائها الدوليّين الكبار مرتاحة لأن الغطاء الذي يقفل مخزونها النووي المنخفض التخصيب سيبقى حتى عام 2030. ويستحيل إنتاج سلاح نووي بثلاثمائة كيلوغرام من الأورانيوم المُشار إليه. وكانت مرتاحة أيضاً لأن المراقبة والتحقّق غير المسبوقَيْن بإجراءات مُحدّدة لن تنتهي مُدّتهما (Expire). وبسبب التفتيش والبحث الدائمين للوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة فإن العالم سيعرف إذا كانت إيران حمقاء كفاية للعمل على إنتاج قنبلة. وأساساً يبدو غير عاقلٍ التخلّي عن اتفاق يعمل بانتظام انطلاقاً من اقتناع ثابت بوجود احتمال لنمو برنامجها النووي بعد نحو عقد من الزمن. علماً أن هذا النمو قد يبدأ غداً إذا انسحبت أميركا من الاتفاق أو تخلّت عنه. وبذلك تعود والعالم إلى حيث كانا سابقاً ولكن في اتّجاه السوء ومع أميركا معزولة دوليّاً وليس إيران.

في أي حال تحتفظ أميركا والموقّعون الآخرون على الاتفاق بفاعليّة وقوّة ونفوذ بتمسّكهم به، ووزراء الخارجيّة الأوروبيّون أبلغوا إلى زميلهم الأميركي جون كيري أنّهم سينضمّون إلى بلاده لمواجهة أي جرم قد ترتكبه إيران. وهؤلاء يتساءلون عن النفوذ والفاعليّة أو القوّة التي سيكسبون بالانسحاب من الاتفاق رغم تأكّدهم أن إيران تلتزم به. إذا فعلت أميركا ذلك فإنّها ستؤذي تحالفها مع شركائها الموقّعين. وبذلك تمكّن روسيا والصين، وتُعطي متشدّدي إيران انتصاراً، وتُوجّه رسالة لأي دولة تفكّر في التفاوض مع أميركا تُفيد أنها لا تحترم كلمتها وتوقيعها عندما تتدخّل الاعتبارات السياسيّة. أكثر من ذلك فإن التمسّك بـ”الاتفاق النووي” لا يقود إلى صراع عسكري مع إيران. علماً أنها لا تحتاج إلى صراع كهذا لاضطرارها إلى التركيز على التهديد النووي اليومي لكوريا الشماليّة.

في اختصار منع الاتفاق الذي وضعه العالم ببطء وبتؤدة إيران وربّما إلى الأبد من الحصول على سلاح نووي. كما أنه عكس صوابيّة قرار إنجاز هذا الهدف الوحيد. لم تكن تدور المفاوضات على لائحة تختار أميركا والآخرون منها ما يريدون ثم يفرضونه، بل كانت حواراً مُعمّقاً أثمر “اتفاقاً”. وقد بنوا كلّهم خلاصاتهم في أثنائه على التحقّق وليس على الثقة. والعالم اليوم يستطيع أن يقيس بدقّة ويتأكّد أن الاتفاق “يعمل” أي يُطبّق.

هذا الدفاع العلمي عن “الاتفاق النووي” مع إيران قام به وزير الخارجيّة في إدارة الرئيس أوباما جون كيري الذي عمل بجد ونشاط مع مساعديه وموظّفي وزارته للتوصّل إليه. وكانت المُهمّة شاقّة لأن المجتمع الدولي كلّه ممثّلاً بأميركا وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا تناسى تنافساته وخلافاته، وتفاوض كفريق واحد مع إيران للحوؤل دون تحويلها نوويّة عسكريّة بعدما نجحت في دخول نادي الدول النوويّة مدنيّاً. وقد نشره في الصحيفة الأميركيّة الواسعة الانتشار “الواشنطن بوست” أواخر شهر أيلول الماضي. لكن السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان بعد الاطّلاع عليه هو الآتي: لماذا لم يحصل “الاتفاق النووي” مع إيران على حقّه من الدفاع داخل أميركا؟ أولاً من الرئيس أوباما الذي رعاه بـ”رموش العين” كما يُقال في بلادنا، والذي راهن عليه لتحقيق إنجازات أخرى انطلاقاً منه. وثانياً من حزبه الديموقراطي في مجلس النواب والشيوخ. وثالثاً من الاعلام المتنوّع الذي عرّف العالم باستطلاعات رأي بالغة الجديّة والاحتراف أن 74 في المئة من الأميركيّن يؤيّدون استمرار العمل بالاتفاق.

والجواب عن سؤال كهذا ومن منطلق تحليلي معلوماتي بَحْت يشير إلى أسباب عدّة. منها أن تقاليد النظام الأميركي لا تحبّذ عودة الرئيس المُنتهية ولايته إلى الحياة السياسيّة الفعليّة أو الإعلاميّة بقوّة وفاعليّة. ومنها أيضاً أن أوباما صدمه تصرّف لم ينتظره من إيران. ذلك أنّه توقّع، وبعد مفاوضات غير رسميّة معها، الانطلاق في البحث معاً في مشكلات الإقليم وحروبه (سوريا)، لكنّها خيّبته إذ “أكلت الطعم” و… وراحت إلى الآخر سياسيّاً وعسكرياً في تنفيذ سياسة السيطرة على المنطقة عسكريّاً وسياسيّاً مباشرة وعبر حلفائها. كما عرّضته إلى لوم الجمهوريّين ومرشّحيهم للرئاسة وأبرزهم ترامب الذي خلفه في البيت الأبيض. ومنها ثالثاً رفض إسرائيل التامّ والفعلي لـ”الاتفاق النووي” واستخدامها نفوذها الواسع داخل أميركا عبر اللوبي اليهودي الأميركي والإعلام وعبر منظّمة “إيباك” لإنجاح رافضيه من المرشّحين للرئاسة. ومنها رابعاً طبع الرئيس ترامب وتمسّكه بالبقاء تحت أضواء الإعلام وإن بإنجازات سلبيّة باعتبار أن انجازاته الحقيقيّة قليلة.