Beirut weather 16.41 ° C
تاريخ النشر December 2, 2017 01:41
A A A
الجولاني «بندقية للإيجار» ويَضرب «القاعدة» في سورية
الكاتب: ايليا ج مغناير - الراي

«فعلها أبو محمد الجولاني وأصبح ينقل البندقية من كتف إلى أخرى.. إنها بندقية للإيجار». هذا ما قاله أحد مسؤولي «الجهاديين» في سورية ربْطاً بالاعتقالات التي نفّذها زعيم «هيئة تحرير الشام» أبو محمد الجولاني ضدّ جميع المسؤولين المعروفين بانتمائهم لتنظيم «القاعدة» في سورية. وهو الأمر الذي استدعى خروج أمير «القاعدة» أيمن الظواهري عن صمته واتهام الجولاني بالانسلاخ عن المسار «الجهادي» ونقْض البيعة التي قطعها قبل أعوام والتي حَمَتْه من براثن «الخليفة» أبو بكر البغدادي.

وأَثْبَتَ خروج أيمن الظواهري بهذه السرعة وتَداوُله لأحداث وقعت فقط قبل ثلاثة أيام أنه على اطلاع على التطورات الحاصلة في بلاد الشام، وأن مُراسَلتَه ليست صعبة، وتالياً أنه غير بعيد عن الأخبار على عكس ما حاول المحلّلون إظهاره.

لقد أَوْقف الجولاني قادة «القاعدة» وسَجَنَهم وعلى رأس هؤلاء الشيخ الأردني سامي العريدي (شرعي «القاعدة» سابقاً) والشيخ أبو جليبيب الاردني (الذي قاتل في العراق أيام أبو مصعب الزرقاوي)، وخلاد الأردني وأبو الاسلام الديري والشيخ أبو عبد الكريم الخراساني، وأبو عبد الكريم المصري، وأبو مصعب الليبي. كما حاول (الجولاني) اعتقال أبو القسام الأردني (نائب الزرقاوي) إلا انه استطاع الفرار من المهاجمين.

وسرعان ما تفاعلتْ إجراءات الجولاني التي شجبتْها قوات «القاعدة» في سورية و«المجاهدون» ومنهم قوات النخبة في القطاع الغربي وأمير جيش البادية الشمالي (بلال الصغائي) وقيادات من الهيئة الشرعية والعسكرية والإدارية. وكذلك خرج المسؤول الأمني لمدينة درعا ونائب القائد مختار ومسؤول التدريبات والمعسكرات أبو مقداد الأردني ببيانٍ واضح، معلناً تركه العمل مع «هيئة تحرير الشام» بسبب الاعتقالات الأخيرة.

وانتفضتْ «قوات المهاجرين والأنصار» ضدّ خطوة الجولاني التي أوضحت نياته بالانسلاخ عن «القاعدة» لأن ورقة التنظيم سقطت بالنسبة إليه، مثلما سقطت ورقة تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) في سورية.

وحاول الجولاني امتصاص النقمة الكبرى عليه من الداخل، فأفرج عن أبو سعد الجزراوي (سعودي) وأبو معاوية الانصاري والشيخ عبد الكريم المصري. إلا أن هذا لم يُخْفِ حقيقة الوضع بين «المجاهدين» وهي أن زعيم «هيئة تحرير الشام» قد شقّ عصاهم وفرّق شمْلهم.

وحاول البعض من القادة – مثل عصام التونسي – الطلب من الطرفيْن التهدئة والإفراج الفوري عن كل المعتقلين وإعطاء المجال للمشايخ والفضلاء لوأد الفتنة. إلا أن هذا لم يغيّر الوضع القائم حالياً باعتبار أن البيعة التي أعطاها أبو محمد الجولاني للظواهري من المفروض أن تكون عقداً شرعياً مُلْزِماً، يُحرم نكثه (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود). وهو أمر ليس بغريب على الجولاني الذي سبق أن نكث بالعهود لـ«أميره» أبو بكر البغدادي واليوم لـ«أميره» الجديد أيمن الظواهري ليصبح منصاعاً لإرادة تركيا.

ما يدفع الجولاني الى الإذعان لما تريده أنقرة هو الاتفاق الذي عقدتْه روسيا مع تركيا بترْك أمور تنظيم إدلب والمسلحين الموجودين فيها لتمنع اقتحامها من الجيش السوري وحلفائه. وتالياً فقد ارتأى الجولاني ان الفرصة قد حانت ليستبدل ثوب «القاعدة» بثوب آخر للدلالة على أنه أصبح «معتدلاً» وبعيداً عن خط «القاعدة» ومنهجه.

لقد خان الجولاني أميره البغدادي لصالح الأوضاع في الشرق الأوسط. فلو قُدِّر له دمْج قوته مع تنظيم «داعش» لاحتلّ سورية ولبنان والأردن وأصبح على مشارف القارة الأوروبية، على حد قول البعض، إلا أن الجولاني هاجم «أحرار الشام» و«الجيش الحرّ» وكل الأحزاب والتنظيمات الصغيرة ليستولي على السلاح والعتاد ويُجْبِر السوريين على الالتحاق به.

و«أحرار الشام» التي عاشت «عصر النهضة» في السنوات الأولى من الحرب السورية شهدت تراجعاً ملحوظاً بعد الاقتتال الأخير مع الجولاني وجماعته والذي قسم «الأحرار» إلى قسمين: الأول يتبنى الفكر «الجهادي والتكفيري»، والآخر يتبنى الفكر الإصلاحي المنفتح على تركيا والغرب. وبعدما كانت «الأحرار» تملك أكثر من 20 ألف مسلح، أصبحت تسيطر اليوم على منطقة سهل الغاب وجبل الزاوية وأريحا وريف اللاذقية وريف حلب الجنوبي.

وهكذا ضرب الجولاني كل الأحزاب والتنظيمات على الساحة السورية ليستولي على عرش «الثورة» وهو بعيد عنها. لقد حضر إلى سورية ومعه قادة من «داعش» العام 2011 في ملاقاة تحرك الشارع السوري. وحضر مع هؤلاء علماء دين وهم طليعة كل مجموعة تحضّر للتغلغل بين الناس واستقطابهم وتسليحهم وحضّهم على «الجهاد». وهذا ما تُوِّج بقيام «جبهة النصرة» حينها. وعندما شعر البغدادي بأن «الأمير» الذي أرسله أصبح خارجاً عن السيطرة (كان الناطق باسم «داعش» أبو محمد العدناني يرافق الجولاني ليبلغ البغدادي بالنيات الانفصالية لـ«جبهة النصرة») أعلن الجولاني الاندماج واختبأ تحت عباءة «القاعدة».

* الظواهري «على مقربة» من الأحداث

أما الظواهري فقد وجد في الجولاني فرصة لإعادة إحياء «القاعدة» من جديد من بوابة بلاد الشام وخصوصاً بعد الانتصارات التي حققتْها «النصرة»، ووصلت بها الى ساحة العباسيين قبل تدخل «حزب الله» الفعلي في سورية العام 2013. وذهب الظواهري الى إعلان الانفصال والعداء لـ «داعش» واحتضَن الجولاني وطلب من كل «المجاهدين» التوجه الى بلاد الشام للعمل معه لإعادة مجد «القاعدة».

أما اليوم فقد خان الجولاني «البيعة الثانية» (الأولى للبغدادي والثانية للظواهري) ووضع في السجون مَن فكّهم تنظيم «القاعدة» من سجون إيران حين استجاب «القاعدة» في اليمن لنداء الظواهري الذي طلب منه فك أسر الشيخ العاني المسجون والتبادل مع إيران بالمخطوفين. سئل السيد قطب: «لماذا ينتصر الباطل وتعلو هامته؟» فأجاب: «لكي يسمع الناس دوي سقوطه على الأرض بشدة».

لقد ارتكبت «النصرة» أو «هيئة تحرير الشام» ظلماً في حق أهل سورية باسم «القاعدة» وقامت بالاغتيالات وسلب الممتلكات لينقلب الكثيرون عليها. وقد انقلب «مجاهدو» سورية على «القاعدة – الأم» لتأميرها مَن كفّر الثوار الذين يرفعون علم وطنهم وسفك دماء الشباب. فتجربة «الجهاد» في سورية – مثلما حصل في مصر تماماً – فشلتْ وفقدتْ بيئتها الحاضنة ما يؤكد ما قاله قبل أعوام زعيم «حزب الله» السيد حسن نصرالله لـ«القاعدة» و«داعش»: «لقد أتوا بكم إلى الشام ليقضوا على الجهاد ضدّ أميركا وإسرائيل، فعودوا إلى نهجكم والخط الذي رسمه أسامة بن لادن».

فمما لا شك فيه أن التنظيمات «الجهادية» انكسرت في سورية خلال الحرب الطويلة بعدما كانت في أوج قوتها. و«القاعدة» – مثل «داعش» – خسر موقعه بين الناس، ما سيسهل القضاء عليه في بلاد الشام. وهذا دليل أيضاً على أن خط الفكر التكفيري فشل إلى غير رجعة ولن يكون له موقع قَدَمٍ لا في سورية ولا العراق ولا لبنان في المستقبل القريب.