Beirut weather 10.36 ° C
تاريخ النشر October 12, 2017 03:13
A A A
الحريري بين خيارَيْن صعبَيْن محلّي وإقليمي
الكاتب: سركيس نعوم - النهار

يعرف رئيس الحكومة سعد الحريري أن الشارع السُنّي في لبنان بغالبيّته الساحقة مُعادٍ للجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، وخائف من “حزب الله” الذي همّشه وشوارع أخرى بمساعدة سوريا حافظ الأسد ثم سوريا نجله بشّار، وبالرعاية والدعم الدائمين للقيادة العُليا الآحاديّة في طهران. ويعرف أيضاً أن الشارع نفسه يخشى أن يكون لبنان دخل العصر الشيعي بعد انتهاء العصر المسيحي في حروب 1975 – 1990، من دون أن يتسنّى له المرور بالعصر السُنّي أو بالأحرى “المُسلم” رغم الوجود الفلسطيني المسلّح على الأرض اللبنانيّة. ذلك أنه انتهى عام 1982 ليس بسبب الاجتياح الإسرائيلي الواسع للبنان في حينه، بل أيضاً السياسات السوريّة التي “اشتغلت” بالفلسطينيّين واستعملتهم للإمساك بفصيلهم “الفدائي” الأكبر في حينه “فتح” و”منظمة التحرير” وبقرارها المستقلّ، وللإمساك أيضاً باللبنانيّين على تنوّع “شعوبهم” وتناقضها تمهيداً للسيطرة على بلادهم.

ويعرف الحريري ثالثاً أنه لا يزال الأقوى شعبيّاً في شارعه السُنّي، لكنّه يدرك أن نسبة شعبيّته ضعُفت عمّا كانت عليه يوم خَلَفَ والده الشهيد في زعامة السّنّة و”تيار المستقبل” ورئاسة الحكومة. كما يُدرك أن لهذا الضعف علاقة بعجزه عن التصدّي بالسياسة أو بغيرها لتوسّع النفوذ الشيعي (الإيراني) في البلاد، وباضطراره إلى مغادرة البلاد جرّاء أخطار جدّية كانت تهدّد حياته، وبانقطاعه عنها قرابة 4 سنوات، وبمواجهته مشكلات ماليّة، وبضعف التأييد السعودي له على نحو كبير. كل ذلك دفع الشارع السُنّي إلى الشعور باليُتم. وضاعف من هذا الشعور خوفه أن تكون المملكة العربيّة السعوديّة حليفته الطبيعيّة والداعمة الأولى له وللبنان قد بدأت تتخلّى عن الاثنين لانشغالها بأزمات كبيرة تهدّدها مباشرة، مثل نجاح إيران في متابعة تنفيذ مشروعها الإقليمي الطموح جدّاً بالسياسة، وكذلك في الانتصار بمعارك عدّة في المنطقة. علماً أنها تعرف أن الانتصار في معركة أو أكثر لا يعني الانتصار في الحرب.

ورغم المعرفة المُتنوّعة والمُتشعّبة المُفصّلة أعلاه أجرى الرئيس الحريري تسوية داخليّة مع “حزب الله” أوصلت حليفه مؤسس “التيار الوطني الحر” العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهوريّة، وأعادته هو إلى رئاسة الحكومة التي أُخرج منها بطريقة مُذلّة، قبل سنوات، وكان على أهبّة دخول المكتب البيضاوي لمقابلة الرئيس الأميركي باراك أوباما. لم يُرِح ذلك الشارع السُنّي، لكنّه قبله اعتقاداً منه أن ذلك قد يمكّن العائد إلى السرايا من إعادة بعض القوّة إلى السُنّة في النظام اللبناني، ومن إشراك عددٍ من كفاءاتهم في الإدارات المتنوّعة، ومن تأمين الخدمات العامّة لهم كما لغيرهم مثل الكهرباء والمياه وإزالة النفايات ووقف الهدر وضرب الفساد. كما أنه قبله اقتناعاً منه بتمسّك الحريري بالمواقف التي خلفته مع “حزب الله” من “المحكمة الدولية” ومن السلاح الذي صار أهم من سلاح الدولة، ومن الهيمنة على الدولة، ومن جعل البلاد جزءاً من “محور الممانعة” الذي تقوده إيران.

لكن هذين الاعتقاد والاقتناع لم يتثبّتا عند الشارع السُنّي وخصوصاً بعدما أظهرت السعوديّة بانفتاحه على “المستقبليّين” فيه الذين انفصلوا عن الحريري، نوعاً من عدم الرضى على سياسته. لا بل أن البعض بدأ يتّهمه بالاستسلام للرئيس عون ولوزير خارجيّته جبران باسيل. ويعني ذلك في رأي لبنانيّين وسعوديّين نوعاً من الاستسلام لإيران. وينتظر هذا الشارع ومعه المملكة زيارة الحريري للأخيرة لمعرفة إذا كانت ستُقنعه بالمواجهة السياسيّة طبعاً لعدم توافر غيرها، أو إذا كان سيقنعها باستمراره في “ربط النزاع” مع “الحزب” ومن خلاله مع إيران، وفي التحالف مع عون وصهره باسيل وفي إمكان جعلهما أكثر استقلالاً عن المحور الإقليمي الذي صارا جزءاً منه. ووضعه هذا ليس سهلاً نظراً إلى قلّة الخيارات أمامه. ولا بدّ أن تكون المباحثات التي جرت بينه وبين الرئيس نبيه برّي والزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط في دارة الأخيرة يوم الأحد الماضي تطرّقت إلى هذه الأمور، وخصوصاً بعد المواقف – القنابل التي أعلنها السيد حسن نصرالله في خطابه قبل ساعات من ذلك. وقد انعكس ذلك عودة جنبلاطيّة إلى الهدوء والتعقّل في تغريداته في نظر “الحزب”. لكن السؤال الذي يطرح هو: هل للسعوديّة التزام لبناني مماثل لالتزام إيران لبنانيّاً؟ وماذا يربح الحريري وماذا يخسر في حال اختار المملكة وسياستها المُواجهة لإيران و”الحزب” في لبنان أو في حال اختار الاستمرار في “التسوية” التي أجراها مع “الحزب” وعون؟ وهل يُقْدِم على الاختيار أو على المغامرة؟