Beirut weather 10.36 ° C
تاريخ النشر October 12, 2017 03:08
A A A
إلى أين فعلاً بين جعجع والتيار؟
الكاتب: روزانا بومنصف - النهار

تأخذ مسألة الخلاف بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” ابعادا تتفاعل سلبا في الاوساط السياسية الى درجة تناقل معلومات بين وزراء ونواب عن احتمال ان يقدم وزراء “القوات” استقالاتهم من الحكومة، او أنهم يفكرون في ذلك. وبغض النظر عن واقعية هذا التفكير او تنفيذه، فإن هذا الكلام وفق مصادر معنية يوحي أن “القوات” تواجه وضعا مأزوما بلغ حدا خطيرا في التعاطي بين الطرفين، بحيث غدا سياسيون كثر يرون ان “القوات” قد تكون غدت محشورة في الزاوية بحيث لا تستطيع التقدم في علاقتها ولا التراجع، بمعنى التمتع بالقدرة على الاستقالة، لاعتبارات كثيرة قد يكون من بينها عدم رغبة رئيس حزب “القوات” سمير جعجع في ترك حصاد ما قام به يذهب هدرا، او ان يقدم هدية لمن يرغب ان يراه خارج الحكومة، علما انه في حمأة الخلاف “القواتي” مع “التيار الحر” ثمة نجاح حققه من دون شك “حزب الله” الذي استطاع ان يكسر العلاقة بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس “القوات”، قياسا على انزعاج كبير من الحركة التي قام بها جعجع بتبني ترشيح عون على وقع اعلان نيات بين الجانبين ومكاسب لجعجع من وصول عون الى الرئاسة.

هذا الجانب لا يبدو في الواجهة على رغم اعتباره مهما ومؤثرا من سياسيين كثر، بحيث لا يجوز الاستهانة به او اهماله. ويرى هؤلاء السياسيون ان لا غضاضة في إطلاق يد “التيار الحر” في كل مواقع الدولة لقاء عدم إتاحة المجال لأن يحصل جعجع على المكسب الذي يريد. وقد يكون اهمال هذا الجانب متصلا بعدم القدرة لدى كثيرين على رؤية ان الحزب، خارج اطار ردود الفعل عليه نتيجة مواقفه او نتيجة مواقف خارجية ضده، يخطط او لديه مشروعه ورؤيته للدولة وللمستقبل. ولعل كثرا ينتظرون الفرصة لتذكير جعجع بأن خياره كان متوقعا ان يكون مكلفا له، خصوصا ان اعلان النيات لم يتطرق الى الامور الاستراتيجية الخلافية بين الطرفين، الا ان جعجع قد لا يكون بأحسن حال ايضا انطلاقا من ان ما يقوم به التيار العوني من تشكيلات قضائية او ديبلوماسية او تعيينات، يحصل بموافقة رئيس الحكومة، وهو في موقع الحليف، على رغم ما يعتري العلاقة بينهما من شوائب ايضا، بحيث ان عدم قدرة جعجع على تحصيل اي مما يريده يتم ولو عن غير قصد من اكثر من جهة، وليس فقط من جانب “التيار الوطني” الذي يسعى الى التحكم في كل الحصة المسيحية في الدولة، صغيرة كانت ام كبيرة، من دون اي حرج.

ففي الجانب المسيحي الذي يتمزق بين التيار و”القوات”، ثمة ايضا الشق المتعلق بعدم وجود جسر تواصل مع رئيس حزب الكتائب سامي الجميل الذي توجه قبل اسبوعين الى السعودية تزامنا مع زيارة جعجع للقاء المسؤولين هناك. والاثنان بدوا في مواقع منفردة وصعبة قياسا على هذا الواقع، وقياسا على رفض النائب وليد جنبلاط زيارة السعودية في اطار الدعوة الجماعية وفي التوقيت نفسه، وهو الحريص على تلبية اي دعوة للزيارة وعلى علاقات طيبة مع المملكة، علما ان دعوة مماثلة وجهت اليه ايضا. وكذلك الامر بالنسبة الى الرئيس سعد الحريري الذي انفجرت في وجهه مسألة الطعن الذي قبله المجلس الدستوري، فكان ذلك سببا اساسيا في ألا يلبي الدعوة للزيارة الى جانب جعجع والجميل او في الوقت نفسه. وهو أمر قد يكون وفر احراجا على الجميع في ظل علاقات ضاغطة تبدو واضحة على اكثر من مستوى، لكن بدا في الوقت نفسه، ولو في الشكل، أن اعادة الامور الى سابق عهدها قد يكون صعبا بعض الشيء في هذه المرحلة، أيا تكن المتطلبات او الاعتبارات، داخلية او اقليمية. وفي النقطة الاخيرة لا يجوز اهمال السياق الذي لبى فيه جعجع والجميل الدعوة السعودية على خلفية مواقف ضاغطة من جانب المملكة تتصل بالمواقف السياسية الرسمية من “حزب الله”، وهو ما ترك انطباعات أن ثمة إشكالية معينة في هذا الاطار، فيما يقول نواب من “تيار المستقبل” ان هذا الوصف ليس دقيقا لأن السعودية لا تضغط باعتبار أن لا استراتيجية لها ازاء لبنان الذي لا توليه أهمية كبرى في هذه المرحلة.

لذلك، وايا يكن البعد الذي اتخذه اللقاء الثلاثي في منزل النائب وليد جنبلاط في كليمنصو، والذي جمع اليه كلا من الرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري، فانه اخذ حجما اعلاميا وسياسيا كبيرا ربما قياسا على كل ما يجري في البلد، علما ان ما يمكن ان يحصل قد يتجاوز بكثير هذا اللقاء بالذات او اي لقاء ممثل. لكن هذا لا يمنع انه يمكن ان يعتبر امرا جيدا في حال استثماره على نحو ايجابي وصحيح، اولا استنادا الى المواقع التي يشغلها الزعماء الثلاثة في الواقع السياسي، وثانيا نظرا الى قدرتهم على ترجيح مضمون الرسالة التي وجهت من خلال اللقاء. وهذا الاستثمار المفيد او الجيد للقاء يقع في خانة رئيس الحكومة سعد الحريري، انطلاقا من وحدة الموقف الثلاثي الذي يعني في ما يعنيه وقوفهم او تلاقيهم على جملة مواقف في الامور الاساسية، ان في كان في وضع الحكومة او سواها بما يفيد الحريري بالذات ويفيد البلد، ليس على الصعيد الداخلي فحسب بل الاقليمي، بمعنى انه ليس وحده، وعليه ان يستفيد من ذلك اقله وفق ما يرى سياسيون كل التطورات الاخيرة.