Beirut weather 24.76 ° C
تاريخ النشر September 14, 2017 03:13
A A A
الإرهاب المعولم
الكاتب: هشام ملحم - النهار

في الذكرى السادسة عشرة لهجمات 11 أيلول الارهابية، لا يزال من الصعب استيعاب المعنى الكامل لبعض الحقائق والتغييرات التي طرأت على الحياة والاقتصاد والسياسية في أميركا وعلاقاتها الدولية.

لم يحدث منذ نهاية حرب فيتنام ان شهدت أميركا يوماً دموياً غيّرها جذرياً كما حدث في صباح ذلك اليوم الايلولي المشمس والجميل. قطعاً ليس اليوم الاكثر دموية في تاريخ البلاد، هذا حدث في 17 أيلول 1862 في معركة أنتيتوم خلال الحرب الاهلية التي سقط فيها نحو 23 ألف ضحية بين قتيل وجريح ومفقود. لكنه اليوم الثاني بعدد ضحاياه الذين قاربوا ثلاثة آلاف مدني، أي أكثر من 2403 عسكري قتلوا خلال الغارات اليابانية على بيرل هاربور، في 7 كانون الاول 1941.

تسعة عشر ارهابيا انفقوا أقل من نصف مليون دولار لتمويل هجوم أدى الى قتل وجرح الآلاف، وتسبب بأطول حربين في تاريخ أميركا لم تنتهيا حتى الآن، سقط فيهما أكثر من 6800 عسكري، كما أدى الى أكبر عملية اعادة هيكلة حكومية خلال اكثر من قرن ادت لانشاء ثالث أكبر وزارة : وزارة الامن الوطني. وحتى الآن ليس هناك رقم مؤكد وثابت للكلفة الاقتصادية لهجوم أيلول لانه من الصعب حساب بعض التكاليف مثل خسارة الانتاجية، ولان كلفة الحربين مستمرة، ولان كلفة علاج الجرحى جسدياً ونفسياً لا تزال تحسب بالمليارات سنوياً. لكن الرقم المقبول بشكل عام هو 3.3 تريليون دولار (أي 33 الف مليار دولار) وفقا لدراسة مفصلة لصحيفة “النيويورك تايمس”.

الارهاب قديم قدم الحضارة وقدم المجتمعات المنظمة. كان دائماً سلاح الضعيف، وكانت كلفته محدودة للغاية، الا اذا نجح خنجر حاد، أو رصاصة صائبة، أو قنبلة في المكان الصحيح في قتل شخصية سياسية بارزة، وهذا ما حصل في أكثر من حقبة. الهجمات التي شنها ارهابيو “داعش” و”القاعدة” على المدنيين في عواصم ومدن اوروبية في السنوات الأخيرة، تذكر بالهجمات التي شنّها الفوضويون في القرن التاسع عشر. الفارق ان هجوماً ارهابياً في حي باريسي في 1890 على سبيل المثال، يبقى حدثاً محدوداً يكتشفه سكان المدينة في اليوم التالي. مثل هذا الهجوم اليوم، يبث مباشرة عبر الفضائيات والانترنت ويصور بالهواتف الذكية ويشاهده الملايين في العالم، ويشل عاصمة أو دولة أكثر من يوم. الارهاب المعولم أو ارهاب العصر الرقمي أظهر ضعفاً عضوياً في المجتمعات الديموقراطية المفتوحة، التي عليها التصدي له بالقوة في مجتمعاتها بعد تحصينها، وفي منابعه الايديولوجية الخارجية. هذا وباء قديم يضرب مجتمعات تنقصها المناعة. استعادة المناعة تتطلب حلولاً خلاقة ومراجعة شاملة لمسلمات وقناعات كثيرة.