Beirut weather 22 ° C
تاريخ النشر September 12, 2017 04:52
A A A
تطلعات الأثرياء التي لم تسمع عنها من قبل
الكاتب: إليزابيث كاريد - بي بي سي

يؤثر أصحاب الثراء الفاحش خوض تجارب استثنائية لا تتكرر إلا مرة في العمر، على شراء السلع الباهظة. وثمة شركات على استعداد تام لتحقيق كل ما يتمنوه نظير مبالغ طائلة.
وقد أسس ستيف سيمز شركة “بلوفيش”، التي يوجد مقرها في لوس أنجيليس، كي تعمل على تنظيم رحلات وحفلات ترفيهية وتجارب لا تمحى من الذاكرة لأصحاب الثراء الفاحش فقط دون غيرهم.
ونظم سيمز جميع أنواع الرحلات والحفلات الخاصة، بدءا من مأدبة عشاء خاصة لستة أفراد ملاصقة لقاعدة تمثال داوود للفنان مايكل أنغلو بمعرض الفنون بفلورنسا، إيطاليا، حيث غنى المطرب الإيطالي الشهير أندريا بوسيلي خصيصا للمدعوين، ووصولا إلى رحلات على متن الغواصات الروسية “مير” لمشاهدة حطام السفينة “تايتانيك”. لكن عندما طلب منه أحد العملاء أن يشاهد على الطبيعة تفجير رأس نووي، رفض سيمز تلبية طلبه.

هذا هو عالم تجارب الترف والرفاهية، حيث لم يعد الأثرياء يكتفون بشراء حقائب “بيركين” التي تنتجها شركة “هيرمز” التي يتهافت عليها الأثرياء، أو ساعات “روليكس”. بل في المقابل، يتطلعون إلى عيش تجارب منقطعة النظير، تنطبع صورها في الذاكرة، وتتيح لهم فرص التباهي أمام الآخرين.

ثمانية أثرياء “تعادل ثرواتهم نصف ما يملكه أفقر سكان العالم”
وهذه التطلعات تحققها شركات متخصصة في تنظيم هذا النوع فقط من التجارب حول العالم، بما لا يخالف الحدود القانونية والأخلاقية بالطبع.

وتقول جيانا إم إيكهارت، أستاذة التسويق بكلية رويال هولوواي، بجامعة لندن، إن تجربة الترف والرفاهية تعني أي نشاط يرى المستهلك أنه يبعث على السعادة والمتعة. وتضيف: “المتعة في نظر الشخص المولع بالأطعمة الفاخرة، أو ذوّاق القهوة، أو عاشق الخمور، لا تأتي من التفاخر بمظاهر الثراء والقدرة على التذوق، ولكنها تأتي من تجربة هذه المظاهر مع آخرين من عاشقي تلك الأطعمة الفاخرة، أو القهوة، أو الخمور”.

وتحقق التجارب المنظمة خصيصا لتوافق تطلعات العميل نموا متسارعا في مجال السلع الفاخرة.

وبحسب البحث الأخير لمجموعة بوستون للاستشارات، في عام 2016، بلغ إجمالي حجم الإنفاق العالمي على السلع الفاخرة 860 مليار يورو، وأُنفق منها 542 مليار يورو على تجارب الترف والرفاهية، ويزداد إقبال الناس على خوض هذه التجارب أكثر من إقبالهم على شراء السلع الشخصية الفاخرة.

تحول جذري
يقول أرون سيمسون، الذي شارك في تأسيس شركة “كوينت إيسينشيالي” بلندن لتنظيم الرحلات والحفلات لأصحاب الملايين حول العالم: “نشهد بالتأكيد عزوفا كبيرا عن شراء السلع الفاخرة بغرض جذب الانتباه والتفاخر أمام الأخرين”. ويضيف أن مالكي الشركات، ولا سيما رواد الأعمال، “أصبحوا أكثر دراية بأمور شركاتهم وكيفية اتخاذ القرارات والتفاعل والتجاوب مع المجتمع من حولهم،”، ويتابع أن هذا ينعكس على الطريقة التي ينفقون بها الأموال خارج الشركة.

ويقول كيث ويلكوكس، الأستاذ المساعد للتسويق بجامعة كولومبيا، إن ثمة عوامل عديدة أدت إلى انصراف الناس عن شراء السلع الباهظة. ويضيف ويلكوكس أنه في أعقاب الأزمة المالية عام 2008، أصبح التفاخر باقتناء المنتجات الفاخرة، وإبراز مظاهر الثراء سلوكا مستهجنا في المجتمع، كما أدرك الناس أن الإنفاق بسخاء على خوض التجارب يزيد من الشعور بالسعادة والرضا أكثر مما يزيده الإنفاق على المقتنيات المادية. وأخيرا، فإن الرحلات المصممة خصيصا لتناسب طلب العميل قد تكون أكثر خصوصية وتفردا من المنتجات الفاخرة التي تنتجها الشركات العالمية. ويضيف: “ربما تكون السلع االفاخرة التي تنتجها الشركات ذات الشهرة العالمية أعلى سعرا من نظيرتها التي تندرج ضمن نفس الفئة من السلع. لكن المستهلك متوسط الدخل قد يستطيع توفير ثمن حافظة نقود، أو عطر، أو حتى حقيبة تحمل هذه العلامات التجارية الشهيرة”. ويضيف: “لكن رحلة السفاري المنظمة خصيصا لتناسب طلب العميل في أدغال أفريقيا لن يستطيع المستهلك متوسط الدخل بشكل عام أن يوفر نفقاتها”.

تعرف على سمات الأثرياء

ويقول رافي دار، مدير مركز تحليل اتجاهات المستهلك بكلية الإدارة بجامعة ييل، إن أبناء جيل الألفيه وراء هذا الإقبال على التجارب التي لا تتكرر إلا مرة واحدة. وهذا يتماشى مع اتجاه المستهلكين في الوقت الحالي لاستئجار السلع بدلا من شرائها، بداية من السيارات والمنازل وحتى المجوهرات.
بالإضافة إلى أن هذه التجارب تمنحك نفس المزايا النفسية التي تحصل عليها إثر خوض تجربة فريدة من نوعها. ويقول دار: “يعشق الناس أن يكونوا من أوائل من يجربون شيئا جديدا، وأن يكونوا أكثر دراية من غيرهم، وأن يستعرضوا جزءا من هويتهم أمام الآخرين”. ويقول ويلكوكس، إن الشركات التي تقدم هذه الخدمات الخاصة بكل عميل على حدة تلبي تطلعات الناس وتزيد من شعورهم بالاعتزاز بالنفس وتقدير الذات.

أصحاب الثراء الفاحش
لكن الانضمام إلى زمرة الأثرياء الذين يخوضون هذه التجارب ليس زهيدا. إذ تبدأ أسعار الاشتراك الشهري في شركة “كوينت إيسينشيالي” التي يملكها سيمسون، من حوالي 10 آلاف جنيه استرليني، وتتيح لك خوض “تجارب خاصة لا يحظى بها إلا قلة قليلة من الناس”. وقد طلب أحد العملاء، مثلا، مقابلة الأمير هاري وفريق “كولد بلاي” وتقديم التحية لهم قبل الحفل الغنائي الذي أقيم في قصر كينسغتون بلندن، وخصصت إيراداته لمؤسسة “سينتيبيل” الخيرية. وطلب عميل آخر أن تنقطع به السبل في جزيرة مهجورة احتفالا بعيد ميلاده، وهيأت شركة “كوينت إسينشيالي” له الظروف في جزيرة خاصة قبالة ساحل فيجي ليعيش تجربة توم هانكس في فيلم “المنبوذ” (كاست أواي).

الاستمتاع بالوقت
وفي إحدى المرات أغلقت الشركة جسر ميناء سيدني أمام المارة ليطلب أحد الأعضاء يد صديقته للزواج. كما نظمت الشركة في ساحة “تايمز سكوير” بنيويورك عرضا راقصا لأغنية “هابي” لفاريل ويليامز بدا كما لو كان عشوائيا، أدته مجموعة من المغنيين والراقصين من بين الجمهور لزوجة أحد الأعضاء بمناسبة عيد ميلادها. ولتحافظ الشركة على تفردها في المجال، تحتفظ بسرية تفاصيل تنظيم هذه الحفلات. ويقول المتحدث باسم شركة “كوينت إسينشيالي”: “يرجع الفضل في نجاحنا في تنظيم هذه الحفلات إلى شبكة معارفنا وعلاقاتنا الوطيدة مع الحكومات حول العالم”.
ويقول القائمون على التنسيق مع الجهات الخارجية إن تنظيم حفلات من هذا النوع بنجاح يحتاج إلى ما لا يقل عن شهرين، ولكن شركة “كوينت إيسينشيالي” استطاعت في غضون أسبوعين فقط أو ربما أيام من إخطارها أن تحضر عشرة كعكات رائعة مستوحاة من تصاميم لمنحوتات حديثة وشهيرة لأحد الأعضاء العاشق للفنون، في حفل عيد ميلاده. ويقول سيمسون: “ما دام الطلب لا يتنافى مع القانون والأخلاق، سنتمكن من تنفيذه”.

خدمات متاحة للجميع (إذا كان لديهم المال)
ويقول ستيف إيدو، الرئيس التنفيذي لمجموعة “بيور إنترتينمنت” بمونتريال، إن الشركة تفتح أبوابها لغير الأعضاء أيضا الذين خاضوا تجارب سابقة معها، على عكس بعض الشركات الأخرى في مجال تنظيم الرحلات والحفلات الفخمة التي تقصر خدماتها على أعضائها دون غيرهم.
ويتابع إيدو: “بمجرد أن نعرف معلومات عنك، وعن نوعية التجربة التي تطلبها تحديدا، سننظم لك شيئا أفضل مما تتمنى”.
وتنقسم العضوية في بيور إنترتينمنت إلى خمسة مستويات، تبدأ رسوم العضوية في المستوى الأول من 12 ألف دولار في السنة وتتدرج وصولا إلى 50 ألف دولار أو أكثر للفئة المميزة من الخدمات.
ويشبّه إيدو هذه المستويات برسوم العضوية في صالة الألعاب الرياضية، حيث تحصل على مزايا إضافية بمقابل مادي إضافي.
ويستطيع الأعضاء المنتمون إلى جميع المستويات، باستثناء المستوى الأول، الحصول على جميع خدمات الشركة طوال أيام الأسبوع، وفي أي ساعة.

هل أنت ثري حقا مقارنة بالآخرين؟
ويقدر متوسط صافي أصول العملاء لدى الشركة بخمسة ملايين دولار، وتتجاوز طلباتهم في المعتاد 30 ألف دولار.
إلا أن إيدو يفضل عدم الإفصاح عن التفاصيل الدقيقة حول أفضل الرحلات والحفلات التي نظمتها شركته لعملائها، للحفاظ على سرية معلومات العملاء، ولعدم الكشف عن هوية الأشخاص الذين عملوا بالتنسق معهم لتوفير تلك الخدمات.
خدمات خاصة
لا توفر شركات تنظيم الرحلات والحفلات الخاصة كل خدماتها لأي شخص لأنه فقط يستطيع أن يدفع المقابل. إذ يختار سيمز، مؤسس شركة “بلوفيش” جنوبي ولاية كاليفورنيا، الأعضاء المحتملين بعناية فائقة. ويقول سيمز: “لا أقبل إلا العملاء المناسبين بعد التأكد من أنهم يريدون الانضمام إلى الشركة لأغراض شخصية، وليس لمساعدتهم في مجالهم الوظيفي مثلا، ولن يسببوا لي الإحراج بمجرد قبول عضويتهم”.
وتشترط الشركة تقديم طلب للعضوية، وتجري مقابلة مع المتقدمين. ولا تقبل الشركة في المعتاد سوى ثلاثة أو أربعة أشخاص في المعتاد من بين العشرة أشخاص أو نحو ذلك المتقدمين للحصول على عضوية الشركة شهريا.
وتبدأ رسوم العضوية في شركة “بلو فيش” من 5.000 دولار سنويا، وتحصل على رقم هاتف، ويُكلف شخص بالرد على مكالماتك.
تحقيق الأحلام
وقد حققت الشركة، على سبيل المثال، حلم دان فيتزباتريك، المحلل الفني بقناة سي إن بي سي. وكان فيتزباتريك في السابق عضوا في فريق مغمور يردد أغاني فريق “جيرني” الشهير، وكان يراوده دوما حلم الغناء مع فريق “جيرني” إلى أن تمكن من تحقيق حلمه عبر شركة سيمز.
وغنى فيتزباتريك مع فريق “جيرني” أربع أغنيات في حفل غنائي أقيم بمدينة سان دييغو، وكانت تلك فرصة العمر حقا بالنسبة له.

مظاهر النمط الجديد لإنفاق الأثرياء
لكن غريغ ريد، المؤلف والمحاضر والمخرج العالمي، الذي انضم حديثا إلى شركة “بلوفيش”، لا يطمح من وراء العضوية في تحقيق أحلامه، لأنه حققها بالفعل. ويقول ريد: “لقد تسلقت جبل كليمنجارو، وركضت مع الثيران، وسبحت مع أسماك القرش. لقد خضت كل التجارب التي تخطر على بالك”. ويضيف ريد، أنه يرغب في المقابل في خوض تجارب لم تجل بخاطره قط، وقد حضر ريد مؤخرا الحفل الخيري السنوي الذي ينظمه إلتون جون لدعم مرضى الإيدز، على هامش حفل توزيع جوائز الأوسكار، برفقة أصدقائه وجلس في المقاعد المخصصة لكبار الزوار، واتيحت له فرصة السير على البساط الأبيض.
وربما يتطلع في المرة القادمة إلى أن يقف في مواجهة مايك تايسون في حلبة الملاكمة.
يقول ريد البالغ من العمر 54 عاما: “كل هذه المغامرات تبدو في نظري كساحة ألعاب للبالغين. وعندما كنت طفلا، لم يكن لدينا أجهزة “أيباد” ولا إنترنت، ولكن كنا في المقابل نضع صورا ورقية كبيرة الحجم على الحوائط، والآن سنحت لنا الفرصة لنخطو داخل هذه الصور ونعيش أحلامنا”.