Beirut weather 10.99 ° C
تاريخ النشر May 27, 2017 03:48
A A A
خرائط توزع النازحين في لبنان…
الكاتب: مجد بو مجاهد - النهار

خرائط توزع النازحين في لبنان…
خبراء في “الأسكوا” لـ”النهار”: الحرب السورية ستستمر 10 سنوات
*

لا عودة قريبة للنازحين السوريين الى وطنهم. استخلاصٌ هو نتاج نقاشٍ معمّق دام ساعةً من الوقت، على طاولة دائرية في مبنى “الاسكوا” وسط بيروت، قوامها أحد كبار المستشارين الفنيين في “الاسكوا” وخبير مخضرم في مجال الاتصالات وتطوير الأعمال، فضلاً عن مشاركة مساعديْ برنامج من الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا. البداية كانت من اللغط الحاصل في توصيف السوريين في لبنان. هل هم لاجئون أم نازحون؟ واقعياً، يفضل الخبراء الذين خصّوا “النهار” بحوار شيّق، وهم من الجنسية السورية وسبق لهم أن شاركوا في اجتماعات جنيف، استخدام مصطلح “نازحين”، لأن كلمة لاجئين تشكّل حساسية لدى اللبنانيين، وكأنها تنذر ببقاءٍ طويل وشبه دائم لهم، كما حصل مع الفلسطينيين، فيما تبقى كلمة نازح أقل وطأة على المسامع، رغم أن الموجودين من الهاربين من الحرب في الأردن مثلاً ينعتون بـ”اللاجئين”، ويقطنون في المخيّمات. لكن الوضع في لبنان مختلف. اذ انه في رأي الخبراء، النازح السوري في لبنان يدفع كلفة اقامته، وان عاش في خيمة، فهو يسدد مبلغ يقارب 300 دولار سنوياً، مقابل قطونه.

ولعل السؤال الأكثر ضبابية، الذي يتوق اللبنانيون الى سماع اجابته، يتمثل في اعطاء مقاربة دقيقة حول أعداد النازحين الذين يعيشون في بلاد الأرز. فهل الأرقام التي تشير الى أنهم فاقوا الملايين، صحيحة؟ يشرح الخبراء أن أعداد السوريين الذين كانوا يعيشون في لبنان قبل اندلاع الحرب السورية، يصل الى 350 ألف شخص، يعملون في قطاعاتٍ انتاجية متعددة. ساء الوضع الأمني، فاضطر هؤلاء الى استقدام عائلاتهم خوفاً من أي تصعيد. باتوا يتمركزون كعائلات، لا كأفراد. والعائلات بدورها، صارت تستقدم أقرباء لها في سوريا، وهكذا تطوّر الرقم تدريجاً ليصل الى ما يقارب المليون سوري، وفق أرقام أظهرتها دراسة بالتعاون مع مركز التكامل المتوسطي، حملت عنوان “شبكة البلديات المضيفة في منطقة البحر الأبيض المتوسط ـ أفضل الممارسات في استضافة اللاجئين”، ومصدرها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 2017.

وأظهرت الدراسة أن عدد الموجودين منهم في الأردن بلغ 657000 لاجئ و233000 في العراق. من هنا، يرفض الخبراء التضخيم الاعلامي، خصوصاً في ما يتعلّق بأعداد الولادات السورية، ويشككون في الأرقام المطروحة. لكنهم يلفتون النظر الى مسألة أكثر خطورة، هي أنهم ينشأون مكتومي القيد، مما يعني أنهم سيعيشون في لبنان على اساس أنهم لبنانيون لا يحملون هويات، كما يحصل مع البدو الذين جنّسوا في نهاية المطاف. واذا كان هذا الواقع لا يعجب النازحين، فإنهم رغم انحسار حدّة المواجهات في سوريا، يأبون العودة لأن الرجال منهم مطلوبون للخدمة الاجبارية، ويطلبون لخوض المعارك بعد دورةٍ تدريبية تستمر أسبوعين فقط. ان هذا الواقع، وفق الخبراء أنفسهم، لا يعني أن النازحين يخاصمون النظام في سوريا، بل ان فئة واسعة منهم تؤيده (كما تؤيد فئة واسعة أخرى المعارضة)، ولكن المسألة محصورة بعدم الرغبة في الذهاب الى الجبهات، وتالياً تعريض السلامة الجسدية للخطر. لذا، يقول الخبراء إن رمادية المواقف السياسية لنازحي سوريا في لبنان، نابعة من كونهم لا يهتمون للسياسة بقدر بحثهم عن عنصر الأمان.

map-2_489272
اقتصادياً، ما يحكى عن استثمارات سورية في القطاعات الانتاجية اللبنانية مجرّد كلام إعلامي سياسي. إذ إن لبنان لم يسمح كالأردن بالاستثمار الفعلي للسوريين قانوناً، كبناء المصانع الضخمة البالغة كلفة انشائها ملايين الدولارات، والتي من شأنها أن تنعش الاقتصاد وتدخل أنواعا جديدة من الصناعات غير الموجودة في لبنان، وتالياً تأمين آلاف فرص العمل. ولو أن الدولة اللبنانية لم تتوجس ازاء هذا الطرح الذي أبداه عدد كبير من المستثمرين السوريين المتحمسين لنقل مصانعهم الى لبنان، لكانت استغلت فرصةً استثنائية تساهم في تنشيط اقتصادها، شبيهة بما حصل في ستينيات القرن الماضي، حيث انتقل العديد من الشركات الى لبنان وضخّ الحياة في عروق اقتصاده (بنك لبنان والمهجر على سبيل المثال). حتى أن الكثير من المواطنين السوريين الذين أودعوا مبالغ طائلة (ملايين الدولارات) في المصارف اللبنانية، وحازوا الجنسية اللبنانية تقديراً لهذه الخطوة، منعوا من الاستثمار (بناء المصانع مثلاً) للهاجس نفسه. أما وقد بادر عددٌ من السوريين الى الاستثمار في قطاع المطاعم ومتاجر الألبسة على سبيل المثال، فإن خبراء “الأسكوا” أنفسهم، يشككون في الأعداد المبالغ فيها للمؤسسات التجارية العاملة في الأراضي اللبنانية: “اذا أحصينا أعداد المطاعم مثلاً، نجد أنها لا تتخطى العشرة، لكن هذا لا يلغي صحة فرضية منافسة اللبنانيين في هذا الاطار”.

مجتمعياً، لا يجد خبراء “الأسكوا” سوءاً في العلاقة بين اللبنانيين والسوريين، النازحين منهم والمستقرين أصلاً في لبنان. وفي رأيهم أن المسألة طبقية أكثر منها ارتباطاً بالهوية، “إذ إن السوريين الأثرياء في لبنان، يخالطون اللبنانيين المقتدرين ويسهرون معا وتجمعهم علاقات الصداقة والزيارات العائلية المتبادلة، كما يتشارك الفقراء المدقعون منهم، من البلدين، وضعهم المزري. حتى أن الذين يمتهنون السرقة، تجدهم في مضمارٍ واحد، اذ نسمع دائماً في الأخبار أن القوى الأمنية قبضت على عصابة مؤلفة من سوريين ولبنانيين وفلسطينيين”. لكن ما يخشاه الخبراء، هو تفاقم مفاعيل “الخطاب السياسي التفريقي” الذي يجدون أنه بدأ يتظهّر في الآونة الأخيرة، مما أدى الى بعض الأجواء المعكرة. ويقسّم الخبراء الهواجس التي تعتري بعض اللبنانيين حيال النازحين الى 3 أنواع: الهاجس الأول مسيحي، لأنهم ينظرون الى السوري على أساس أنه مواطن مسلم. والهاجس الثاني شيعي، اذ انهم يعتبرونه من الطائفة السنية. والهاجس الثالث سني، لأنهم ينظرون الى النازح من خانة المنافس. والقاطنون منهم في المناطق المحرومة، كعكارمثلاُ، يعترضون على فكرة تقديم المساعدات للسوريين فقط، ويصنفون أنفسهم في الخانة الفقيرة نفسها.

map-_184721
وفي قراءة لتطورات الحرب السورية، نسأل عن امكان ايجاد حلّ للأزمة في القريب العالج، وتالياً تأمين عودة النازحين الى بلادهم. ويبادرنا أحد الخبراء ضاحكاً: “القصة مطولة كتير”. ورغم أن بعداً انحدارياً بدأ يتظهر ديموغرافياً بعد إحكام النظام السوري وحلفائه قبضتهم على المدن المأهولة، الا أن “لعبة الكر والفر وتجدد المعارك ميدانياً، واقع مستمر، ومن المتوقع أن يطول 10 سنوات اضافية قبل الوصول الى حلّ حقيقي”. اذاً الحرب مستمرة في رأيكم 10 سنوات اضافية، ولكن في النهاية من سيكون الرابح الأكبر فيها من القوى المتصارعة في ظلّ تقدّم المحور الروسي- الايراني حالياً؟ “ليس من رابحٍ أو خاسرٍ. الوجوه الموجودة حالياً ستتغيّر كلها”. ونسأل عن امكان التوصل الى تسوية ترضي الجميع، فيطالعنا خبيرٌ بالقول إن المجتمع الدولي بات مقتنعاً بأن الحل لا يمكن أن يرضي القوى المتصارعة، وتالياً لا يمكن أن يكون نسخة شبيهة باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب اللبنانية بعد عشرات السنوات من الاقتتال، اذ إن التجربة اللبنانية أثبتت فشلها، واستقرار الوضع اللبناني شكلي، في حين يبقى إمكان عودة الصراعات الداخلية اللبنانية واردا في أي وقت. وعن امكان اللجوء الى الخيار التقسيمي، لا يجد الخبراء أنه قابلٌ للتطبيق ديموغرافياً، لكن، كلّ قوّة سيكون لها نفوذ في المنطقة التي تسيطر عليها.

map-3_919013

map-4_388968
ـ مصدر الخرائط:
دراسة بعنوان: شبكة البلديات المضيفة في منطقة البحر الأبيض المتوسط ـ أفضل الممارسات في استضافة اللاجئين (مركز التكامل المتوسطي).