Beirut weather 21 ° C
تاريخ النشر May 5, 2016 03:54
A A A
عن الطائفية وجمهور كرة القدم اللبنانية
الكاتب: نور عز الدين - السفير

في مرّات كثيرة يتحوّل الشغف بكرة القدم من مجرد مشاهدة المباريات إلى التطرف بعشق الأندية والهوس بتشجيعها. لكن ماذا عندما تدخل السياسة، والانتماءات، والعنصرية كضيوف ثقيلة إلى اللعبة، ليجلسوا إلى جانب المشجّعين في المدرجات؟
التطرف في التشجيع
بانت ملامح الحماس قي التشجيع عام 1940، عندما بدأت فكرة الألتراس (رابطة التشجيع) تنتشر في أميركا الجنوبية ومن ثمّ أوروبا، لتنتقل بعدها إلى أفريقيا وباقي العالم.
كان الهدف من الألتراس تحويل التشجيع إلى عقيدة متينة، بين المشجعين والنادي الذي يحبونه، تعتمد على الولاء له في كل حالاته وحضور أكبر عدد من مبارياته، وعدم التوقف عن ترديد الشعارات لتشجيعه، فيتحول التشجيع إلى أسلوب حياة.
بدأت روابط الألتراس تتشكل حول العالم، والألتراس هي كلمة لاتينية تعني المتطرفين، وكان المقصود هنا التطرّف في تشجيع النوادي الرياضية إلى أن بدأت السياسة تدخل إلى المدرجات وتأخذ التشجيع إلى تطرفٍ من نوعٍ آخر.
الكثير من الحوادث الكارثية حصلت على مرّ السنين داخل ملاعب كرّة القدم، ذهب ضحيتها عدد كبير من المشجعين، منها مباراة الهندوراس والسلفادور، في تصفيات كأس العالم لكرة القدم عام 1969، حين اندلعت اشتباكات بين الجماهير في نهاية المباراة، قبل أن تتطوّر الاشتباكات إلى حربٍ حقيقية بين الدولتين، نتيجة الخلاف على الأراضي الزراعية.
أما في العام 2004 فقد وصلت العدوى إلى الدول العربية، وتحديداً إلى مدينة القامشلي السورية، ففي مباراة بين فريق مدينة القامشلي، ذات الغالبية الكردية، «الجهاد» وفريق «الفتوة» من دير الزور، دارت اشتباكات عنيفة بين المشجعين، بدت كأنّها فاتحة حرب عنصرية، راح ضحيتها بحسب الحصيلة الرسمية السورية 25 مواطناً من الطرفين إضافة إلى عددٍ كبير من الجرحى. كما لا يمكن أن ننسى مجزرة بورسعيد في مصر في العام 2012، بعد مباراة الناديين «الأهلي» و «المصري»، والتي راح ضحيتها 74 مشجّعاً.
ثلاثة مشجعين وطاولة واحدة
قبل العام 2005، ليس كما بعده بالنسبة لجماهير كرة القدم اللبنانية. اختلف التشجيع بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.
من هتاف جمهور نادي النجمة العفوي والبسيط: «همبرغر ع دجاج إلعب موسى حجيج»، إلى الهتاف الطائفي لمشجعي النادي: «شو هيدا شو هيدا الشيعة احتلوا صيدا». بين هذين الشعارين يروي نضال، المشجع النجماوي القديم، حكاية تشجيعه النادي، من المباراة الأولى التي شاهدها في عمر الثامنة، وإعجابه بأداء الفريق واسمه وحتّى اليوم.
يتحدث نضال بثقة ويظهر إحساسه العالي بالانتماء للنادي. يحكي الشاب كيف تحول التشجيع إلى أسلوب حياة بالنسبة إليه، من لحاقه بمباريات النادي من منطقة إلى أخرى، وحتى اصطحابه عائلته الصغيرة للاحتفال بالشهر الأول لابنه في المدرجات.
«جمهور نادي النجمة جمهور جامع، أنا واثق من هذا، برغم أن الأغلبية فيه من الطائفة الشيعية، ولكن ماذا؟ سترين في المدرج نفسه مجموعة من مختلف الطوائف».
يعتبر نضال أنّ الشعارات الطائفية تضرُّ بمصداقية التشجيع، وهناك محاولات دائمة لإيقافها في السنوات الأخيرة بعد أن زادت حدة الانقسام.
برغم ذلك يبدو نضال كمن يحاول رفع المسؤولية عن مشجعي ناديه، من خلال التأكيد على أنّ هتافات جماهير الفرق الأخرى هي السبب في استفزازهم. شعار «الشيعة احتلوا صيدا»، حسب قول نضال، أتى بعد أن رفع جمهور نادي الأنصار علم جبهة «النصرة» وشعارات دعم لها في مباراة على أرض ملعب صيدا البلدي.
لا ينفي نضال أنّ الشعار، كان ردّة فعلٍ تحمل كمّاً هائلاً من الطائفية، لكنّه يقول: «ماذا تنتظرون من جمهور غالبيته من طائفة كانت قد تعرضت لتفجيرات إرهابية ودماء ضحاياها لم تكن قد جفت بعد؟».
الحقن الطائفي لعب دوره في هذه المباراة، يقولها نضال بانفعال وتأثر حقيقيين: «فليترك السياسيون لنا هذا المتنفس الوحيد»، وينظر إلى عبد الله، الذي يشجّع غريم «النجمة»، أي نادي «العهد»: «الاستقطاب الطائفي مشكلة»، في إشارة إلى أن فريق «العهد» هو الفريق المتعارف على أنّه «فريق الشيعة».
يشجّع عبد الله نادي «العهد» منذ العام 1998، وهو لا يلقي بالاً لاتهامات مشجّعي الفرق الأخرى، والتي تعتبر «العهد» تابعاً حزبياً وطائفياً، فهو يحب طريقة لعبهم وأدائهم.
يرى الشاب أنّ الطائفية دخلت في كل شيء، وأنّ الترويج للـ «عهد» بالقول إنّه فريق المقاومة أمرٌ عادي ولا بأس به. يرفض نضال ذلك، ويؤكّد أنّ هذا هو خطأ «العهد» الأساسي. لكنّ عبد الله يؤكّد بأنّ «الكلاسيكو»، حسب تعبيره، صار بين «العهد» و «النجمة»، بسبب قوّة ناديه والتي أدّت إلى استقطابه عدداً كبير من المشجعين.
أمّا المشجع الأنصاري سمير فظل صامتاً مع تعليقات بسيطة، كلما احتد الجدل بين عبد الله ونضال. تحدّث سمير، على العكس من رفيقيه، بهدوء، عن ناديه ومشوار تشجيعه له منذ الصغر.
يشير سمير إلى أنّه يقف دائماَ في وجه التعصب الطائفي، «الاستفزازات التي تحصل بين كل من نادي النجمة والأنصار غير منطقية، لأنّ الفريقين كانا مدعومين من آل الحريري، وتصنيفهما على أساس طائفي خطأ كبير وخطير». يؤكّد الشاب أنّه تعرض أكثر من مرّة للضرب خلال المباريات، لكنّه كان يحاول دائماً التخفيف من الاحتقان، معتبراً أنه من الظلم منع الجمهور من الحضور.
أبعِدونا عن السياسة والطوائف
يعتبر الشبّان الثلاثة أن أحد الأسباب الرئيسية وراء تراجع المشجعين في السنوات الأخيرة هو التأثير السلبي الكبير لدخول الطائفية إلى الملاعب.
لكن وبرغم كلّ ذلك يؤكّد الشبّان أنّ الشعارات الطائفية تظهر وتختفي، لكنّ التعلق بالنادي والوفاء له يظل دائماً ولا يزول.
***

عن الطائفية وجمهور كرة القدم اللبنانية

في الصورة، جدارية للاعبي نادي «النجمة» أمام مقر النادي في المنارة (أرشيف السفير)