Beirut weather 15 ° C
تاريخ النشر May 4, 2016 05:55
A A A
مركز روسي أميركي عسكري في جنيف للمراقبة
الكاتب: البناء

يبدو وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف بمظهر «المايسترو» الذي يُمسك بالنوتة والعصا لإدارة الفرقة الدولية الإقليمية المبعثرة، أمام مشهد دموي قاتم يسيطر على مدينة حلب وسائر مناطق شمال سورية، معلوم لدى الجميع، أنه آخر ما تبقى من أوراق بيد تنظيم القاعدة، الذي فقد الاندفاعة الأميركية التي وفرت له غطاء حروب القتل في سورية خلال سنوات. فجبهة النصرة التي تشكل الفرع الرسمي لتنظيم القاعدة مولودة على يد الجنرال ديفيد بتريوس خلال احتلال العراق لتكون الاستثمار المشترك للمخابرات الأميركية وأيمن الظواهري، منذ اغتيال أبي مصعب الزرقاوي وبعده أسامة بن لادن، بالتعاون بين الفريقين، ووضع جدول أعمال التعاون عبر أنقرة والرياض والدوحة، لحروب «الفوضى البناءة» ومخاض الشرق الأوسط الجديد، التي أخفقت في بلوغ أهدافها من فوهات المدافع في حروب العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين، فعادت من بوابة «الربيع العربي» بشراكة الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة، ورعاية تركية وسعودية بالتناوب مرة والتعاون مرات، وها هي تبلغ مراحلها الأخيرة، وتستقرّ في شمال سورية، بعدما تمكّنت الدولة السورية من صمود أسطوري، ونجحت المقاومة اللبنانية بتأمين شراكة الوفاء، ونهض الحليفان الروسي والإيراني بموجباتهما بما فاجأ حلف الحرب على سورية وقلب حساباته وجدول أعماله.

نجح الروس تدريجياً بدفع الأميركيين خارج حلبة الحرب المباشرة، ووضعوا معهم صيغة «رابح رابح»، رغم مرارة حرب أوكرانيا، لضمان تموضعهم على ضفة التسويات، وكسب الوقت، منذ التفاهم على السلاح الكيميائي السوري، وبعده التفاهم على الملف النووي الإيراني، وتذوّق الأميركيون حلاوة التفاهمات، وتركوا لحلفائهم العاجزين خيبات الخسائر، وتقدّمت الحرب على الإرهاب كوصفة مربحة لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على أبواب الانتخابات الرئاسية، فروسيا وإيران وسورية وحلفاؤهم يتولون ما لا تقدر عليه أميركا في هذه الحرب التي ضربت في أوروبا وتهدّد بالمزيد، وجاءت معارك تدمر بوجه النسخة المنقحة من القاعدة التي يمثلها داعش لتقدّم وصفة النصر، لتنتقل موسكو إلى الحلقة الأهم. وهي حلقة الحسم مع جبهة النصرة ومن خلفها التموضع التركي في المعادلة السورية، والتلاعب السعودي بأوراق المعارضة.

هي حرب النصرة، كما قال لافروف، والهدنة معيارها توفير الغطاء للحرب على داعش والنصرة، كي يتم تحييد الفصائل المنخرطة بأحكامها والمشتركة في محادثات جنيف. والنصرة هي القاعدة، فمن يقف معها فليقل، ومن يُرِدْ قتالها فليقل، ولم يعد ممكناً قبول المراوغة والنفاق والتلاعب بالكلمات. والكلّ يعلم أنّ الجزء الخارج عن سيطرة الدولة من شمال سورية يخضع لسيطرة النصرة ويقدم له الغطاء من جماعة الرياض والجماعات المسلحة المنضوية فيها كجيش الإسلام وأحرار الشام ووراءهما تركيا والسعودية.

النصرة تخوض حرب حلب، والهدنة يمكن أن تعود إذا حدّدت مناطق سيطرة النصرة وخرجت منها قوى تحسب نفسها على العملية السياسية، وحُرمت النصرة من أي غطاء سوري وإقليمي ودولي، وتوقف الجميع عن توصيف الحرب معها كحرب على المعارضة، وانتهاكاً للهدنة. لذلك وضع لافروف الشروط بوضوح، إغلاق الحدود التركية مع سورية، وخروج فصائل المعارضة من مناطق سيطرة النصرة، وتكون العودة للهدنة خلال ساعات.

ساعات لافروف المشروطة قد تصير أياماً وأسابيع بقدر ما يتباطأ الآخرون، وكما يبدو من كلام كيري المتلعثم بعد قصف النصرة لمشفى حلب الخامس في أيام، أن التردد مستمرّ والساعات ستطول، رغم إعلان لافروف عن تشكيل غرفة مراقبة عسكرية روسية أميركية مشتركة في جنيف، علم أنها ستعمل على تحميل مواقع ومناطق سيطرة النصرة على خرائط تعتمد لتطبيق الهدنة، فيرفض كل كلام عن انتهاك للهدنة مبني على وقائع مواجهة مع مواقع النصرة، مع مطالبة الفصائل بالانسحاب منها، رغم يقين موسكو بتصنيف جيش الإسلام وأحرار الشام كقوى إرهابية.

حرب النصرة وحرب حلب المتداخلتان في حلقة حاسمة خلال أيام، تتبلور بعدها صورة الميدان، لتكون لها الكلمة الفصل وفقاً للمتابعين، وتكون محادثات جنيف خياراً متروكاً لجماعة الرياض التي انسحبت تضامناً مع النصرة، إن أرادت الالتزام بموجبات مساري الهدنة والعملية السياسية.

لبنانياً، مع اقتراب الانتخابات البلدية وتبلور لوائحها، يبدأ مطلع الشهر المقبل العدّ التنازلي للولاية الممددة للمجلس النيابي، التي يتبقى منها عام واحد، يثق الجميع باستحالة تمديدها مجدداً، وحتمية مواجهة الاستحقاقات المؤجلة خلال هذا العام، فلا بديل من السعي لتوافق ينتهي بانتخاب رئيس جديد للجمهورية بدلاً من ترحيل الاستحقاق لمجلس جديد مجهول التوازنات، وسواء جاء المجلس الجديد وفقاً لقانون الانتخابات الحالي، بعدما تغيّرت الخريطة السياسية، والتحالفات داخل الطوائف وخارجها، خصوصاً بتحالف التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية وانعكاسه الحتمي على أحجام كتل المستقبل والاشتراكي، فسيكون مجهول الأحجام ومقلقاً للممسكين بناصية القرار في المجلس الحالي، أو سواء ذهب أصحاب الحل والربط نحو قانون جديد بات مستحيلاً تفادي النسبية كأساس قانوني فيه، فذلك يستدعي التوافق لإنتاج القانون من جهة، وللتحالفات التي تواكب الانتخابات منعاً للمفاجآت من جهة أخرى، ليصير التوافق والإسراع في مد الجسور قدراً لا مفرّ منه، مع تسارع الوقت، فيما تقدم اجتماعات اللجان النيابية لمناقشة قانون الانتخاب منصة مناسبة لاختبار فرص هذا السعي التوافقي، ومنحه سياقاً يحتاجه الجميع إذا انتبهوا وأقاموا الحسابات الصحيحة.