Beirut weather 17.88 ° C
تاريخ النشر May 2, 2016 09:15
A A A
ترتيب الأولويات بين الرقّة وحلب…
الكاتب: عمر معربوني - بيروت برس

10952b40b4b4708276bd46c7e8c6ef74

بحسب الرغبة الأميركية، فإنّ الحرب على المنطقة انطلقت لتزيل كل المعالم والمكونات التاريخية واعادة خلط الديموغرافيا ومعها الجغرافيا بما يتلاءم مع مصالح الناهب الدولي.

في سطرين فقط، استخدمتُ مجموعة من المصطلحات باتت غائبة عن العقل الجمعي المذهبي الذي تمّ تشكيله عبر مسار استلزم عشرات السنوات، وتمّ تغيير انماط واساليب المشروع كلما اقتضت الحاجة للوصول الى مرحلة اطلاق الأدوات التنفيذية لهذا المشروع وهما نوعان، نوع واعٍ يدرك مهمته ونوع مُستلب يؤمن بالدور المنوط به، وهو دور تراوحت مسمياته بين الثورية والتغيير الديموقراطي حينًا والإنتصار للمظلومية القرابية الدينية والمذهبية حينًا آخر.

المقدمة كما العادة هدفها خدمة النص لتبيان التفاصيل الانية في مسار الحرب، فطالما أنّ اساس المشروع هو اعادة تشكيل المنطقة وتقسيمها على اسس دينية ومذهبية واثنية، فلا بدّ أن تكون الجغرافيا هي موضوع البحث لأن المعارك لا تسير وفقًا للصدفة وانما ضمن برنامج تتابعه أعتى العقول واكثرها خبرة، وتُسخّر للمعركة تراكمًا كبيرًا من الجهد المتواصل غير المنقطع لآلاف الخبراء في كل الإختصاصات.

على المستوى الإستراتيجي، لا يستطيع احد أن يدّعي أنّ المشروع الأميركي لتقسيم المنطقة قد حقق اهدافه ولا يستطيع احد آخر ان يقول إنّ هذا المشروع قد هُزم ويلفظ انفاسه، ما يعني أنّ الحرب مفتوحة ومستمرة الى ان تتحقق الغلبة لفريق من أفرقاء الصراع، او الوصول الى تسوية تفضي الى واقع جديد على قاعدة اللاغالب واللا مغلوب، وكلا النتيجتين تبدوان بعيدتي المنال في المنظور القريب.

ولأنّ الحسم الشامل او التسوية الشاملة لن تتحققا قريبًا، فيبدو أنّ المرحلة القادمة هي مرحلة ترتيب الأولويات للجولة القادمة من سلسلة معارك سيجهد اطراف الصراع فيها الى تحقيق موازين قوى وخرائط سيطرة كل لمصلحته.

حاليًا، تحظى ساحتا المعركة الأساسيتين حلب والرقّة بأهمية متفاوتة لدى الحلفين المتصارعين.

في الجانب السياسي، تجهد اميركا والمتحالفون معها لتحقيق مشروعهم القاضي بتحقيق الفصل بين وحدة الارادات والجبهات، من خلال العمل على ابقاء الجغرافيا المشتركة بين الأراضي السورية والعراقية مفتوحة وتحت سيطرة داعش، والعمل على ارساء سيطرة لكل من قوات الحماية الكردية في منطقة يراد لها ان تشكل حزامًا متصلًا يبدأ من اقليم كردستان العراق ويصل الى عفرين في سوريا، وهو حزام يؤدي لأميركا ضمان الإبقاء على مصالحها بحيث تستطيع التحكم بالدول المحاذية لهذا الحزام وتحديدًا تركيا والعراق وسوريا من خلال الأكراد.

اما الحزام الثاني الموازي في امتداده من الشرق في العراق الى الغرب في سوريا، ويشمل اجزاء من محافظة الرقة ومحافظة حلب ومحافظة ادلب ومحافظة اللاذقية وصولًا الى نتوء ولو صغير على الساحل السوري، فتطمح اميركا أن تسيطر عليه جماعاتها “المعتدلة السنية” بحسب ما يحلو للأميركيين تسميتها.

هذان الحزامان بحسب الطموح الأميركي يجب ان يشكلا عائقًا امام اي تمدد ايراني للتواصل مع شيعة العراق وكذلك مع المنطقة الوسطى السورية.

هذا في سوريا، اما في العراق فتحرص اميركا على ابقاء المعارك تحت سيطرتها من خلال التحكم بمسارات المعارك وقواها، وهي لهذا الغرض ترسم خطوطًا حمراء امام كل طرف مستغلة طبيعة التعقيدات المذهبية والإثنية. فهي إن حققت الحزامين الكردي والسني في العراق، ستعمل على تحقيق عازل مع ايران وتبقي تركيا وايران معًا في حالة اشتباك مع مكونات لديها طموحاتها في الإنفصال والإستقلال.

لهذه الأسباب المعروفة لدى روسيا وسوريا والعراق وايران، ولأنّ الأميركيين يتحكمون في الأدوات التي تنفذ المسارات الميدانية، تغدو مسألة ترتيب اولويات المعارك مهمة صعبة نظرًا للجغرافيا الواسعة وعدم توفر العديد البشري المطلوب لخوض معارك شاملة، وهو ما نراه بشكل واضح في سوريا والعراق.

في الجانب السوري من المعارك وعلى المستوى العام، لا يُنكر أحدٌ أنّ الجيش السوري يسيطر على القسم الأكبر من الثقل الإستراتيجي للدولة الممتد من العاصمة دمشق ويمر في المنطقة الوسطى (حمص وحماه) وصولًا الى الساحل السوري، وكذلك اجزاء مهمة من حلب واريافها مع وجود بؤر في اطراف المدن الكبرى لا تزال تُشغل وحدات كبيرة من الجيش وتشكل عائقًا كبيرًا امامه يمنعه من تحشيد قواه ويجبره على ابقائها في اماكن المواجهة، وهو لا شك عائق كبير يحد من قدرة الجيش على الحسم السريع خصوصًا أنّ الجماعات المسلحة تمتلك قدرات امداد وتواصل فيما بين هذه الجيوب والبؤر في محيط المدن الكبرى وعبر الحدود التركية والأردنية.

ومن بين هذه الجيوب جيب كبير متمثّل بأرياف حلب والأحياء الشرقية للمدينة التي لا تزال ترتبط فيما بينها عبر طريق الكاستيلو، وهو طريق الإمداد الوحيد بين الأحياء الشرقية والريف الغربي لحلب، حيث استطاع الجيش السوري في مرحلة سابقة ان يقفل طريق الإمداد مع الريف الشمالي من خلال فك الحصار عن نبل والزهراء واغلاق التواصل عبر اعزاز ليقتصر حاليًا على خط ريف حلب الغربي وعبر ادلب.

الجدير بالذكر أنّ الجيش السوري على المستوى الميداني يستطيع من خلال تفعيل العمليات من مزارع الملاح وحندرات ان يُغلق طريق الكاستيلو، ولكن المسألة ترتبط بأزمة من نوع آخر وكبير سيتم العمل عليها بالتأكيد وهي محاصرة السكان في القسم الشرقي من حلب الذي تسيطر عليه الجماعات المسلحة، وادراج الأمر تحت بند انساني سيشكل ضغطًا كبيرًا على الدولة السورية وحلفائها.

الأميركيون يدركون جيدًا اهمية حلب والرقة، ولهذا السبب وضعوا خطوطًا حمراء بخصوص حلب ويسعون للسيطرة على الرقة، والسؤال المهم هنا هل سيكون بمقدور الدولة السورية وحلفائها كسر الخط الأحمر الأميركي في حلب ومنع تحقيق اهداف الأميركيين في الرقة؟

بتقديري إنّ الإبتزاز الأميركي الذي جاء على لسان كيري بعد طرح التقاسم الأمني مع الروس يمكن ان يُكسر، لأنّ كيري اردف بعد تقديم طرحه ان اميركا لا تملك آليات تمنع الروس من التكملة بمسارهم، رغم أنه قال إنّ اميركا لن تقف متفرجة على المشهد وهو طرح خبيث جدًا، فاميركا التي تدير الحرب والتي زودت وتزود الجماعات المسلحة بالسلاح هي في قلب المشهد وليست مجرد متفرج.

وانطلاقًا من هذا الإستعراض للمشهدين السوري والعراقي، إنّ المراوحة والتردد ستخدم بالتأكيد المشروع الأميركي، وكل ما تحتاجه المنطقة هو ديناميكية روسية سورية ايرانية شجاعة تضع الأميركي في الزاوية مجددًا كما حصل بعد الدخول الروسي على خط الحرب في سوريا.