Beirut weather 10.99 ° C
تاريخ النشر May 1, 2016 08:02
A A A
تركيا: الدولة العلمانية تلفظ أنفاسها الأخيرة
الكاتب: محمد نور الدين - السفير

رمى رئيس البرلمان التركي إسماعيل قهرمان قنبلة الدستور الديني ومشى. يوم الثلاثاء الماضي كان قهرمان يتحدث أمام أكاديميي وكتّاب الدول الإسلامية حول «تركيا الجديدة». قهرمان اعتبر أنه «تبعا للانتماء الإيماني، فإن دستورَي 1982 و1961 هما دستوران دينيان. لماذا؟ لأن العطل الرسمية هي عيد الفطر وعيد الأضحى. ولأنه يوجد تدريس ديني إجباري في المدارس. أي إنه دستور ليس علمانياً بل ديني. وبالتالي فإنه يجب تعريف العلمانية وفقا له. أي أن العلمانية يجب ألا يرد ذكرها في الدستور الجديد. في العالم هناك ثلاثة دساتير يشار فيها إلى العلمانية: فرنسا وأيرلندا وتركيا. لا يوجد تعريف لها. كل واحد يطبقها بحسب ما يفسرها. هذا يجب ألا يكون. يجب ألا يهرب دستورنا من مسألة أن يكون دينيا. يجب نقاش أن يكون دينيا». وأضاف قهرمان: «لماذا نحن كبلد مسلم نكون في وضع إبعاد أنفسنا عن الدين والرجوع إلى الوراء؟ لماذا؟ نحن مسجلون في منظمة التعاون الإسلامي، وعضو فيها ومؤسسون لها. ونحن عضو في بنك التنمية الإسلامي. نحن بلد مسلم. ماذا يعني ذلك؟ لماذا؟ يجب ألا يكون الدستور لا دينيا ويجب أن يكون دينيا».
هذا بالحرف ما قاله إسماعيل قهرمان. كلام لا لبس فيه وواضح مثل عين الشمس، وليس من مجال لتكذيب ما ورد فيه أو القول إن تحريفا لحق به. وهو نفسه عاد وأكد عليه. كلام بمثابة أطروحة كاملة حول نظرته إلى الدستور الجديد وهوية تركيا المستقبلية.
إسماعيل قهرمان ليس عضواً هامشياً في «حزب العدالة والتنمية» وهو من الجيل المؤسس ليس فقط للحزب، بل كان في أساس «حزب الرفاه» وأحزاب «الفضيلة» ولاحقا «العدالة والتنمية».
الرد الأول كان بطبيعة الحال من «حزب الشعب الجمهوري» عبر تغريدة تقول لقهرمان: «إسماعيل قهرمان أعرف حدّك».
أما رئيس الحزب كمال كيليتشدار أوغلو فقال إن العلمانية هي صمام الأمان للاستقرار، داعيا رئيس البرلمان إلى الاستقالة، قائلا له: «إما أن تؤمن بدولة علمانية اجتماعية، وبدولة قانون، أو أترك هذا المقعد الذي تجلس عليه». وقال كيليتشدار أوغلو إن العلمانية هي ضمانة كل المؤمنين وهي صمام الأمان الأساسي للسلم الاجتماعي. وتساءل: «ألم يتعلموا بعد الدرس، من بحر الدماء الذي يُغرق الشرق الأوسط؟ العلمانية تمنع أن يكون الدين أداة في خدمة السياسة. الدين شيء مقدس ولا يقلق من العلمانية».
الكتابات الصحافية والسجالات في البرامج التلفزيونية كانت شاملة. المسألة ليست مجرد حذف كلمة من هنا في الدستور الجديد وزيادة كلمة من هناك، بل هي مسألة تتعلق بهوية البلاد ومستقبلها، ومستقبل النظام السياسي والعقد الاجتماعي.
الجميع كان يترقب ردة فعل رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان الذي قال إن قهرمان كان يعبر عن قناعاته وأفكاره في ما يتعلق بنقاشات الدستور الجديد. وقد ذكّر أردوغان بموقفه من العلمانية، ولا سيما ما قاله في جامعة القاهرة، وما ورد في برنامج «حزب العدالة والتنمية» لجهة التأكيد على العلمانية. وانتهى إلى القول إنه لا داعي لذكر الإسلام في الدستور.
أما رئيس الحكومة أحمد داود اوغلو فقال إن هوية الدولة علمانية، لكنه أشار إلى أن «حزب العدالة والتنمية» يسعى لتغيير النظام برمته.
لكن كلام أردوغان أو داود أوغلو لا يضع نهاية لهذا النقاش الذي استغرق واستنزف تركيا بمجتمعها ونخبها منذ قرن ونصف القرن.
المسألة ليست تصريحا من هنا ونفيا أو رفضا له من هناك، إذ هناك سياق لا يمكن أن نضع موقف قهرمان أو غيره خارجه.
غالبا ما كان داود أوغلو ينفي ما كان يصرح به. وبات شائعاً أن ينتظر الصحافيون نفياً لما كان قاله قبل يوم أو ساعات. من ذلك الكلام على عثمانية جديدة، حيث كان إنكارها لا يخفي حقيقة إنهم وصلوا إلى مرحلة صاروا فيها لا يخجلون من القول: «نعم نحن عثمانيون جدد».
الكلام المتصل بالمسألة العلمانية وعلاقتها بالدين وموقع الدين في الدستور والقوانين من الأمور الشائكة في تركيا والتي تختلط فيها المناورات مع الصفقات، والصدق مع الخداع والإفصاح مع التقية.
الكلام عن إبقاء العلمانية في الدستور لا يتناقض مع العمل على إلغائها عملياً وتفريغها من أي مضمون.
كلام إسماعيل قهرمان عن وجود أكثر من نموذج للعلمانية صحيح، وهو يريد من ذلك تفصيل علمانية خاصة بتركيا، لا تكون سوى القشرة التي تغطي مشروع تديين الدولة.
إن التخلي عن العلمانية الحالية ليس خطوة كبيرة إلى الأمام أو إلى الوراء. في الأساس العلمانية المطبقة منذ إعلان الجمهورية وحتى اليوم لم تكن علمانية حقيقية، حتى إذا حذفت من الدستور واستبدلت بنظام ديني، فهي لن تفعل سوى إطاحة ما يمكن أن يكون بعضاً من علمانية.
يقول أردوغان إن «احترام المعتقدات الدينية وبقاء الدولة على مسافة منها أمر يجب الإبقاء عليه». يعرف أردوغان أن العلمانية السابقة كانت متطرفة ضد حركات الإسلام السياسي، وهو أراد رفع هذه المظلومية ونجح في ذلك، لكنه كان يتجاهل أن تلك العلمانية نفسها كانت دينية، بل مذهبية، في ما يتعلق بالعلاقة مع غير المسلمين (المسيحيين واليهود) ومع غير السنّة (العلويين)، وهو لم يحاول حتى بل لم يكن يرغب في رفع تلك المظلومية عن المسيحيين واليهود والعلويين.
العلمانية «السابقة»، المستمرة حتى الآن، علمانية لا تتيح حرية العبادة للمسيحيين، وتفرض شروطا تعجيزية لبناء كنائس. ولا يقتصر الأمر على القاعدة القانونية، بل تعداه إلى الممارسة، حيث يتعرض رجال دين مسيحيون إلى عمليات اعتداء وقتل. ولو لم تكن معاهدة لوزان فرضت بعض الضوابط والحماية في بعض المجالات للمسيحيين واليهود لكانت الممارسة ضد غير المسلمين مثل ما تمارسه العلمانية الحالية على العلويين. فالدولة التركية، المفترض أن تكون علمانية، لا تعترف بالمذهب العلوي وتعتبره بدعة إسلامية. ولا تحظى مراكز العبادة العلوية، المعروفة بـ «بيت الجمع»، بأي اعتراف رسمي، ولا بأي مساعدة مالية، في حين أنها تعترف بالمذهب السني الحنفي والشافعي، وتفرد لرئاسة الشؤون الدينية ميزانية ضخمة جداً. وفي السلوك، فإن أماكن سكن العلويين في مناطق كثيرة تتعرض للاعتداءات ولكتابات تدعوهم للرحيل من دون أي تحقيق قضائي أو معاقبة للفاعلين.
في ظل هكذا علمانية يتمظهر هذا التمييز ضد الأقليات الدينية والمذهبية، فكيف إذا تطور الأمر إلى إلغاء أي ذكر للعلمانية في الدستور؟ حينها سيفتح هذا على تفسيرات متطرفة وممارسات أكثر عنفية ضد هذه الأقليات.
الكلام على رفض حذف العلمانية في الدستور من جانب مسؤولي «حزب العدالة والتنمية» ردا على قهرمان لا يستقيم كثيراً مع الحقائق والقناعات المضمرة، وأحيانا المعلنة، لتغيير النظام. من ذلك الانتقال من نظام برلماني إلى نظام رئاسي على الطريقة التركية، التي يستأثر فيها شخص واحد بالسلطة. النظام الرئاسي لا يتناقض مع العلمانية. الولايات المتحدة مثال على ذلك. لكن إقامة نظام رئاسي في ظل تحكم السلطة السياسية بالسلطة القضائية وإلغاء الفصل، وبالتالي إلغاء التوازن بين السلطات وغياب المساءلة، يعني استبداداً سياسيا. ومع تغيير طبيعة النظام من علماني إلى ديني سنكون أمام استبداد سياسي – ديني، وعودة إلى النموذج العثماني، الاستبدادي الديني، في الحكم، وهو جوهر الدعوة إلى عثمانية جديدة في الداخل.
الأمور مترابطة، ولا يمكن فصل تصريح هنا عن سلوك، وعن ممارسة هناك. والسنوات الأخيرة كانت بمثابة مكبّر لطبيعة المشروع الذي يحمله «حزب العدالة والتنمية»، والذي مثلاً لا ينفصل فيه الموقف من قضايا الحريات والديموقراطية والتضييق عليها، وتحويل البلاد إلى سجن للحريات العامة، وليس فقط الصحافية عن سياق تحقيق هذا المشروع الذي لم يوفر حتى أقرب «الرفاق» من أردوغان، وعلى رأسهم عبدالله غول.
في وقت سابق على توليه السلطة كان أردوغان يقول: «إنك لا يمكن أن تكون إسلامياً وعلمانياً في الوقت ذاته. إما أن تكون علمانياً أو تكون إسلامياً. لأن عند المسلمين الحاكمية لله وحده، بينما العلمانية تقول إن السلطة للشعب. هذا كذب. هذه كذبة كبرى». كان أردوغان يتهم غولين قبل سنتين بأنه يمارس التقية، فضلاً عن الافتراء والكذب.
قد لا يبقى البعض على آرائهم، والتغيير موجود عند الكثير من المفكرين أو السياسيين. وأردوغان نفسه قال مرة: «لقد خلعت قميص «مللي غوريش» (حركة نجم الدين أربكان). لقد تغيرت».
أردوغان هنا لا يجافي الحقيقة بل يجاريها كاملة. أردوغان تغير… حقا تغير. لكنه تغيير في اتجاهات تعاكس ما يقول به. ما كان بقية من ديموقراطية من عهد العسكر أصبح اختزالاً للسلطة بشخصه. وما كان بقية علمانية زاد عليها ممارسات تمييزية ضد المجموعات المذهبية والدينية تعزز التمييز والاحتقان. ما كان طورغوت أوزال يقول به همساً، وعبر طرف ثالث، ضد العلويين والشيعة قاله أردوغان علناً وأمام الجماهير ومن على شاشات التلفزيون.
كل الإجراءات المتصلة بالنظام التعليمي في تركيا كانت تشير إلى تعزيز اتجاه التخفيف من الطبيعة العلمانية للدولة، وزيادة جرعة الدين فيها. وكل الممارسات والمواقف المتصلة بالحريات الشخصية كانت تستهدف ترهيب النزعة العلمانية لدى الأفراد والمجتمع. حتى على صعيد المساواة بين الرجل والمرأة فإن ممارسات «حزب العدالة والتنمية» تستهدف تعزيز التمييز بينهما لغير مصلحة المرأة، وليست دعوة نائب رئيس الحكومة السابق بولنت أرينتش النساء لعدم الضحك بصوت عال في الشارع سوى مجرد مثال على هذه الذهنية الذكورية.
كل شيء يمضي لتعزيز النزعة الاستبدادية حتى لو بقي النظام برلمانياً وليس رئاسياً. المهم هو التطبيق والممارسة. وكل شيء يمضي في اتجاه تغيير الطبيعة العلمانية للدولة، سواء بقيت مفردة العلمانية في الدستور أو حذفت. ليس المهم الشكليات والقول لأوروبا إننا علمانيون، ودعوة بعض العرب، ومن جامعة القاهرة، إلى اعتماد العلمنة. فمن ليس علمانياً في داخله وفي بلاده لا يمكن له أن يدعو الآخرين إلى العلمنة. في التطبيق، كل الدروب تؤدي إلى دستور ديني، حتى لو لم ترد مفردة الدين الإسلامي في الدستور الجديد.
بعد مئة وخمسين عاماً على بدء عملية التحديث في تركيا منذ العام 1839 مروراً بإعلان الجمهورية، فإن تركيا في طريقها للعودة إلى ما كانت عليه، ليس قبل مئة عام عشية انهيار الدولة العثمانية، بل إلى ما قبل العام 1839. وتصريح إسماعيل قهرمان ليس سوى ذروة التعبئة العقائدية والتحضير النفسي لجوهر مشروع «حزب العدالة والتنمية» في الداخل، ولا يغير من هذه الحقيقة نفيٌ يدخل بامتياز في باب التقية، التي بات يتقنها أصحاب هذا المشروع أكثر وبدرجات ممن توجه إليهم سهام التقية.
***

تركيا.. الدولة العلمانية تلفظ أنفاسها الأخيرة

في الصورة، الشرطة التركية تقمع محتجين على سقوط صواريخ في كيليس في 24 نيسان الحالي (ا ف ب)