Beirut weather 11.21 ° C
تاريخ النشر May 1, 2016 04:43
A A A
أصل النفايات في قانون الانتخاب!
الكاتب: سعدالله مزرعاتي - الأخبار

مرة جديدة، قانون الانتخاب على جدول أعمال البحث في اللجان والكواليس، وفي التعطيل والفراغ والفئوية والفشل. أسطوانة قديمة جديدة، نكررها في كل موسم ومناسبة لنؤكد فيها أنه لا ثوابت غير فئوية لدينا، وأن قانون الانتخاب هو جزء من نزاعنا السياسي اليومي الذي تتداخل فيه العوامل المحلية والخارجية بشكل لا مثيل له في أي بلد في العالم.
ربما هذه هي «المعجزة» اللبنانية الحقيقية التي باتت «مسخرة» بكل ما في الكلمة من معنى. و«المسخرة» هذه هي، في الشأن العام، تعادل كارثة حين يصل الأمر إلى مستوى شل الإدارة والمؤسسات والبلد بشكل شبه كامل، ومن ثمّ استسهال استخدام هذه وسواها، بما فيها المقدسات، في الصراع من أجل تحسين المواقع وزيادة الحصص والنهب وتكديس الأرصدة في البنوك: «على عينك يا تاجر»!
في كل بلدان العالم، يحصل تجاذب بشأن قوانين الانتخاب. هناك، أيضاً، تسعى قوى نافذة إلى إمرار مشاريع تناسبها، هي، أكثر من سواها. لكن ذلك لا يحصل كل مرة تجرى فيها الانتخابات، ولا يمنع الجدال بشأن ترجيح وإنضاج هذه الوجهة أو تلك، من إجراء الانتخابات في موعدها: دون تمديد متكرر، ودون تأجيل «تقني» حتى ليومٍ واحد. ثم أن القوانين التي يدور حولها الصراع، تنطوي، غالباً، في معظم دول العالم ذات التجربة القديمة في ممارسة الانتخاب، على حدٍ أدنى من صحة التمثيل. يحصل ذلك عبر مجمل شروط العملية الانتخابية، وخصوصاً عبر قانون الانتخاب نفسه الذي يعتمد، بدءاً، المساواة بين المواطنين، كما يعتمد، النظام النسبي أو المختلط لإبراز التباينات في مواقف المتنافسين وفي ما بين برامجهم التي تقودها، غالباً، أحزاب متمرسة، هي الأخرى، في المنافسة داخل بناها التنظيمية وفق حد أدنى من التكافؤ وسلامة فرص وشروط الاختيار. في بلاد الله التي تخلصت من أنظمة الاحتكار والاستئثار والاستبداد والوراثة والتخلف والديكتاتورية… لا «يُنعف» المال السياسي من دون حسيب أو رقيب، كما عندنا، لشراء الأصوات والضمائر والمقاعد في «البوسطات» و«المحادل». هناك أيضاً لا تُستخدم السلطة ومواردها ومؤسساتها الخدماتية والأمنية، وحتى القضائية، على غرار ما تُستخدم عندنا، من أجل إحكام السيطرة على العملية الانتخابية، ومن أجل سد نوافذ وأبواب المستقبل والمشاركة أمام المعارضين والشباب والمرأة والقطاعات المدنية عموماً. هناك، غالباً أيضاً، لا تُستخدم العصبيات الطائفية والمذهبية لتغذية ذهنية القطيع ولكتم أنفاس الناس ومصادرة حقها في المشاركة والاعتراض وقول الأمور بأسمائها والارتكابات بـ«أبطالها» والنفايات بتحديد من تنبعث منهم، أو من أجل جيوبهم وأرصدتهم، الروائح الكريهة التي قد تصبح قاتلة مع تمادي الإهمال واحتقار المواطن وتقديس الربح ولو بأقذر الوسائل وأكثرها إجراماً ولاأخلاقية…
عندنا، يريد المتسلطون على مقدرات السلطة والبلاد، أن يحددوا نتائج الانتخابات قبل إجرائها. وأن تتقرر الحصص سلفاً، في مضمون وتضاعيف قانون الانتخاب نفسه الذي تجرى المساومات بشأنه ما بين الداخل والخارج وتنضج طبخته، عموماً، في صيغة لا «تخرم» إلا في النادر ولا تحمل من المفاجآت، إلا ما قد يكون جزءاً غير معلن من الصفقة التي جرى الاتفاق بشأنها سلفاً: صفقة تحديد الأحجام، وتقرير النسب والحصص والأسماء: من أكبر مدينة إلى أصغر زاروب. وفي خلال ذلك، يجري منع وقمع «الدخلاء» وفق معادلة لا ترحم، ولا تشجع إلا «هواة النوع» على الإقدام والمغامرة!
وجود متنافسين محليين ثابتين يتوارثون النفوذ والزعامة والتمثيل، أباً عن جد، وانخراط لاعبين جدد في العملية الانتخابية والسياسية (تحملهم غالباً توازنات جديدة نجمت عن أحداث كبرى كالحرب الأهلية في لبنان، أو عن تحولات نوعية في المنطقة)، لا يغير في قواعد اللعبة الثابتة. الجديد ينسج على منوال القديم ويبزُّه غالباً، في الشطارة والتكتيك والارتهان للخارج وتغذية العصبيات الطائفية والمذهبية وتسخير جميع المؤسسات الرسمية.
في السنة المقبلة، يكون المجلس النيابي قد «أنجز» دورة كاملة من التأجيل. ليس في الأفق ما يشير إلى اتفاق بين أطراف المحاصصة على قانون انتخاب جديد أو قديم. لا ينظر المتحاصصون، (المتفاهمون بعمق على الاحتفاظ بمنظومة المحاصصة والمتصارعون على النسب والأدوار فيها) إلى مسألة الانتخابات باعتبارها شأناً عاماً يتخطى فئوياتهم ومصالحهم الضيقة. ليس القانون، بالتالي، مسألة ثابتة، ولو نسبياً، تتضمن حداً أدنى من مبادئ صحة التمثيل وسلامة العملية الانتخابية وإجراءاتها (مع هامش واقعي يعكس المصالح والقناعات في صراعات سياسية واجتماعية لا تتوقف عن الحضور في كل شأن عام وفي كل حقل من حقول السياسة والاقتصاد والأمن والعلاقات الداخلية والخارجية). هذه «الدوامة» التي نعيشها كل فترة اصطدمت الآن، بانقسام داخلي حاد، يغذيه ويوجهه انقسام أكبر على مستوى المنطقة. المرجعيات السياسية للقوى المحلية تخوض الآن صراعاً ضارياً لا تبدو نهاياته قريبة في الأفق المنظور. وهذا الصراع تشارك فيه، أيضاً، وبشكل غير مسبوق، قوى دولية: في أحلاف وجيوش وأساطيل يكاد نصف العالم العربي يكون مسرحها: بكل ما يعني ذلك من قتل ودمار ومجازر… ضاعف منها الإرهاب ودفع الجريمة فيها إلى مراحل غير مسبوقة هي الأخرى.
في المشهد الذي ذكرنا بعض أبرز ملامحه، لا أفق لتفاهم قريب على قانون الانتخاب وعلى الرئاسة وعلى تفعيل المؤسسات (التي لم تكن فاعلة في أي يوم من الأيام بسبب طغيان الفئوية وتنامي الدويلات على حساب وجود الدولة الموحدة وعافيتها). من نافل القول أيضاً إن الأطراف المقررة ليست في وارد احترام الدستور في موضوع تكرّر التأكيد عليه في أكثر من مادة دستورية (22 و24 و95): وهو انتخاب مجلس نيابي خارج القيد الطائفي بعد مجلس 1992 الذي نُفذت فيه «المناصفة» لتحال، بعد ذلك، حصرياً، إلى «مجلس شيوخ» محدود الصلاحيات يستحدث لهذا الغرض، لا لتصبح منّة أو مطلباً مخالفين للدستور وللمصلحة الوطنية وللأمن والسيادة جميعاً، من قبل المتحاصصين.
لا سبيل إلى الخروج من هذه الحلقة المفرغة والقاتلة بغير تحرير قانون الانتخاب من لجان المتحاصصين، وبغير تحرير النظام السياسي، قبلُ، من منظومة المحاصصة. هذه عملية متكاملة يجب أن تنهض بها قوة سياسية شعبية أصبح أمر بنائها وقيامها بدورها مهمة إنقاذية للبنان وللبنانيين. يزداد الآن انكشاف نظام التبعية والنهب والفساد أمام فئات جديدة من المواطنين. لم يكن صعباً، مثلاً، على أعداد كبيرة منهم أن تربط ما بين تراكم النفايات ونظام المحاصصة الطائفي والمذهبي. في حقول عديدة، بإمكان حملات مدنية سياسية أن تطور من قدرة المواطنين على امتلاك موقف نقدي من سبب مآسي اللبنانيين، وأن ينخرطوا، بالتالي، في مشروع إنقاذي للتغيير وللتخلص من كل أنواع النفايات التي تعبث بمصيرهم وبوحدتهم وتهدد وجودهم وصحتهم واستقرارهم وكرامتهم.