Beirut weather 14.76 ° C
تاريخ النشر April 30, 2016 05:00
A A A
سورية أمام «صيف ساخن»
الكاتب: ايليا ج. مغناير - الراي

أكدت الأحداث الأخيرة التي شهدتها حلب وغيرها من مناطق سورية – ما يرفض اعلانه الثنائي الاميركي الروسي – وهو ان سورية تحترق وان جبهاتها بعيدة كل البعد عن وقف النار او الحل السياسي. وتقول مصادر مطلعة لـ «الراي» ان «الجيش السوري وحلفاءه يستعدّون لجولة جديدة من المعارك في وقت قريب جداً، وقد فُتحت الدورات العسكرية من جديد بين صفوف حلفاء سورية»، ما يدل على ان الصيف المقبل سيكون ساخناً جداً وعلى جبهات متعددة، وان مَن يستفيد من هذا الاقتتال بدرجة اولى هو تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش).

واعلن الشيخ عبدالله المحيسني الموجود في سورية تحت حاضنة «جبهة النصرة» «حملة انفر» لاستقطاب أعداد كبيرة من المتطوّعين لتوسيع دائرة المعركة وخصوصاً حول حلب والإعداد لمعارك مستقبلية اخرى.

ورفضت الولايات المتحدة طلب روسيا وضع كل من «أحرار الشام» و«جيش الإسلام» على لائحة الارهاب مع العلم ان «أحرار الشام» تتواجد في كل معركة مع «جبهة النصرة».

ويؤكد الناطق الرسمي للعمليات العسكرية الدائرة في العراق ضد «داعش» الكولونيل ستيف وارن ان «مدينة حلب تسيطر عليها النصرة»، وهو ما يلاقيه جون كربي، الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الاميركية بقوله ان «النصرة تتواجد مع المجموعات المعارضة للنظام التي وافقت على وقف اطلاق النار»، ما يدل على تخبط الادارة الاميركية في ما خصّ الملف السوري، فتارة تقول «لا لإرسال قوة عسكرية الى سورية او العراق» بينما تصرح بوجود اكثر من 3000 «مستشار» في العراق – والعدد الى ازدياد – وبإرسال أعداد جديدة الى شمال سورية لتدريب ودعم الاكراد تحت عنوان مقاتلة «داعش». وبينما تؤكد هذه الادارة ان «داعش» و«النصرة» على لائحة الارهاب وان وقف اطلاق النار لا يشملهما، الا انها غير مستعدة للاعتراف بأن لا سلطة لديها على المعارضة السورية كي تبتعد عن «النصرة»، وهو ما يعطي حرية الحركة والتحالفات للجبهة في سورية.

* «النصرة» الأكثر ذكاءً في إدارة معركتها تعمل لـ «التمكّن».

ولغاية اليوم فان «جبهة النصرة» اثبتت بأنها الأكثر ذكاء في التعامل مع المعارضة السورية، وقد أجادت فن البقاء رغم الاختلافات الجوهرية والعقائدية بينها وبين اطراف متعددة من المعارضة السورية. فقد قبلت «النصرة» بأن تضع يدها بيد اي تنظيم يحارب الاسد وهي ترسل علماءها لبث الثقافة التي تجد آذاناً صاغية لدى عامة الناس وتدفعهم للانضمام الى صفوفها او على الاقل لتقبل وجودها بينهم. وهي شاركت في كل معركة ضد النظام منذ اعلان وقف اطلاق النار ولكن دون ان تفصح عن تواجدها او تتفنّن بانتصاراتها، بل جيّرت الصيت والربح للفصائل الاخرى متخليةً عن الاعلام والاعلان عن وجودها، ما يدل على ذكاءٍ أربك الاعلام الغربي الذي يجزم عدد كبير منه بأن لا وجود لـ «النصرة» في حلب.

aleppo-23

والأمر أبعد من ذلك، فقد اثبتت «النصرة» دمج عملها العسكري الذي يزاوج بين الكلاسيكي والعصاباتي. ففي معركة مدينة العيس وتلّتها، قام «حزب الله» بالهجوم على أهداف معينة لاستعادة التلة والمدينة بينما أعطيت مهمة استعادة التلة الاستراتيجية «سيرياتل» للقوة الايرانية. فما كان من «النصرة» الا ان تراجعت تكتيكياً من التلة والمدينة، ولكن مقاتليها منعوا القوة الايرانية من الدخول واستعادة تلة السيرياتل ما سمح لـ «النصرة» بايقاع «حزب الله» في فخ وإمطاره بالقذائف من التلة مرغِمة القوى الموجودة على الانسحاب.

ومما لا شك فيه ان صراع الايديولوجيات على أرض الشام لن ينتهي باجتماع او اجتماعين او عشرة اجتماعات في جنيف، لان اصحاب العقيدة – من الطرفين – يريدون انهاء تواجد الآخر، ما يؤكد ان الحرب السورية ستبقى لما بعد انتهاء ولاية الرئيس الاميركي باراك اوباما، وما بعد بعد اوباما، لان اسس الديموقراطية المطروحة في جنيف مرفوضة من «داعش» ومن «النصرة» ومن «احرار الشام» و«جيش المجاهدين» و«حركة المثنى» و«جيش المهاجرين والانصار» و«جند الاقصى» وغيرها من التنظيمات والحركات الجهادية، الامر الذي يدل على ان امد الحرب لا يزال طويلا.

ولا تزال روسيا مصرة على المضي باتفاقها السري مع اميركا في محاولة بائسة لإنجاح مؤتمر جنيف وسط انزعاج حلفاء الكرملين من عدم العودة الى لغة السلاح، ولا سيما ان وقف اطلاق النار اعطى المعارضة فرصة لاعادة تجميع القوى العسكرية واستعادة مناطق متعددة كان أخذها الجيش السوري وحلفاؤه في الاشهر الماضية.

ورغم امتعاض روسيا من اميركا لعدم ممارستها الضغط الكافي على المعارضة للالتزام بوقف اطلاق النار، الا ان موسكو لا تزال تمضي قدماً نحو امكانية إنجاح مؤتمر جنيف حول سورية، لان روسيا لديها علاقات جيدة مع أطراف متعددة ومن ضمنها اطراف عربية اقليمية تدعم استمرار الحرب في سورية. وبحسب المراقبين فان اميركا لا تملك اي تصور استراتيجي لحلّ الأزمة السورية، الا انه لا يضيرها رؤية الدب الروسي يغرق في المستنقع السوري الذي من دون شك يبتلع كل القوى من دون استثناء.