Beirut weather 19 ° C
تاريخ النشر April 28, 2016 04:56
A A A
تعنيف الطفل لنفسه… يستدعي استنفاراً مدرسياً وعائلياً
الكاتب: فيرونيك أبو غزاله - الحياة

لم تفهم كلارا، المعلّمة في الصفوف الابتدائية، ماذا يحدث للوهلة الأولى! تلميذها الجالس في المقعد الأخير من الصف كان ينزف دمّاً من فمه وهو لا يحرّك ساكناً. ركضت نحوه لتفتح فمه بالقوّة وتتفاجأ برؤية خمسة دبابيس خياطة فيه وهي تتحرّك وتؤذي الأسنان واللثة والفم كلّه. صُعقت كلارا لهذا المشهد، وطلبت مساعدة الممرضة لتضميد جراح الطفل، وحين أصبح في حال أفضل كثرت التساؤلات المطروحة عليه حول ما يمكن أن يدفعه لمثل هذا السلوك العدواني بحق نفسه، لكن من دون جواب. ومع تحرّكات إدارة المدرسة، تبيّن أنّ والدي الطفل أنجزا معاملات الطلاق وهو يمكث مع جدّته حيث لا يلقى الإهتمام الكافي ويعاني من نقص العاطفة والشعور بالإنسلاخ من المحيط العائلي الذي كان يعيش به. ومن أقسى ما قاله الطفل «أشعر بالراحة حين أتأذى، فأقله أشعر بشيء ما غير الحزن».
هذه الحادثة ليست يتيمة أبداً، ففي المدرسة ذاتها تتركز أنظار الهيئة التعليمية على أكثر من طفل لأنّ لديهم سلوكيات عدوانية تجاه أنفسهم مثل ضرب الرأس بعنف على الحائط، خدش الجسم بآلات حادة وتصرّفات أخرى يمكن أن تشكّل خطراً كبيراً على حياتهم.
ولا تجد الخبيرة النفسية يارا بركات الأمر غريباً، بل باتت هذه الظاهرة منتشرة وبكثرة وغالباً ما تلاحظ في المدارس وفوق سن الـ 6 سنوات، لأنّ المعلمين يلاحظون سلوكيات غريبة ويتنبهون اليها فيما يمكن الأهل أن يغفلوا تماماً عن الأمر، في حال كانت هناك مشكلات أسرية أو حالة من الإنفصال أو الطلاق. فبركات تؤكد أنّها سبق وكانت جزءاً أساسياً من علاج أطفال يعانون من مشكلة تعنيف الذات، والسبب المشترك بينهم: التخفيف من الألم الداخلي الذي يشعرون به. فليس المقصود الانتحار، لأنّ في هذا العمر لا تكون الأفكار الانتحارية تعززت بعد. ووفق الكلية الملكية البريطانية للطب النفسي يمكن تعريف إيذاء النفس بأنّه ضرر متعمّد غير قاتل يلحقه الشخص بجسده.

تعنيف الطفل لنفسه... يستدعي استنفاراً مدرسياً وعائلياً

الإحاطة والعلاج
لا تتوافر إحصاءات واضحة في لبنان حول هذه الظاهرة الإجتماعية لتحديد مدى انتشارها وأبرز الأسباب المؤدّية إليها، لكن المعلومات تتراكم من خلال الاختصاصيين النفسيين والحالات التي تسجّلها المدارس، أو التي يبلّغ الأهل عنها للإدارة بهدف تأمين حماية أكبر للطفل العدواني تجاه نفسه. فيما تعتبر الإحصاءات جزءاً أساسياً لفهم الموضوع في بلدان عدة في مقدّمها بريطانيا حيث تسجّل وزارة الصحّة الحالات وتتابعها عن كثب. فالطفل الذي لا يتلقّى المساعدة النفسية اللازمة يمكن أن يتعرّض الى مزيد من المشكلات في المستقبل، وتتعزز لديه الأفكار الانتحارية مع إمكان عكس السلوك العدواني على غيره.
وهذا ما حصل مع الطفلة رانيا التي تخبر والدتها عن السلوكيات العدوانية التي كانت تظهرها منذ سن الثامنة تجاه نفسها بسبب تعرّضها للاغتصاب في عمر السادسة. وقد اضطرت لإدخالها مرات إلى قسم الطوارئ في المستشفى لتضميد جراحها أو للتخلّص من آثار جرعات الأدوية المسكّنة الزائدة التي كانت تتناولها.
ومع تقدّمها في العمر، زادت الأفكار الانتحارية عند رانيا بسبب الاضطراب النفسي الشديد، وتعيش أمّها في كلّ لحظة القلق والخوف من أن تفقد ابنتها بين ليلة وضحاها. وعلى رغم أنّ والديّ رانيا حاولا أن يؤمّنا لها المساعدة النفسية في البداية، الا أنّ الكلفة العالية للعلاج اضطرتهما للتوقف عنه ما زاد من حدة الاضطراب عند طفلتهما.
وهنا تلفت بركات إلى أنّ إلحاق الطفل الأذى بنفسه هو سلوك يرجع إلى معاناته من مرض نفسي خطير كالاكتئاب أو اضطراب الخوف والقلق أو حتى اضطرابات الأكل. لذا لا يجب الاستهانة أبداً بالموضوع خصوصاً إذا كان الطفل تعرّض لأي نوع من الصدمات العاطفية أو النفسية. فهو لا يجد في بعض المواقف وسيلة أخرى للتعبير عن مشاعره سوى أن يلحق الأذى بنفسه، لذلك لا بدّ من استشارة طبيب نفسي سريعاً والمتابعة معه حتّى إتمام مراحل العلاج ولو تطلّب ذلك بعض الوقت.
ولكن المعالجة النفسية ليست كافية وحدها، بل هناك حاجة ماسة الى أن يلعب الوالدان وأفراد الأسرة دورهم من خلال الإحاطة بالطفل ومساعدته على الشعور بالأمان والتعبير عن مساندته والوقوف إلى جانبه، لأنّ الوحدة هي من أقسى ما يمكن أن يواجهه الطفل في هذه المرحلة.