Beirut weather 8.44 ° C
تاريخ النشر April 24, 2016 04:57
A A A
كابوس البرازيل… طويل
الكاتب: روبرت سامويلسون - الحياة

مع اقتراب موعد الألعاب الصيفية الأولمبية في آب المقبل، يواجه أكبر بلد في أميركا اللاتينية – عدد سكانه 206 ملايين نسمة وحصّة اقتصاده من اقتصادات المنطقة هذه 40 في المئة – انكماشاً حاداً وأزمة سياسية كبيرة.

قبل عقد من الزمن، كانت البرازيل قدوة أسواق ناشئة ونامية كان يتوقع أن تساهم في ارتقاء اقتصادات الأمم النامية الى مصاف الأمم الثرية. لكن اليوم، تكاد تذكر مجموعة «بريك» (البرازيل، روسيا، الصين، والهند). وبين 2004 و2008، بلغ متوسط النمو في البرازيل 5 في المئة سنوياً. لكن اقتصاد البلد هذا بدأ يتقلص منذ 2014، ويتوقع أن يبلغ انخفاض الناتج المحلي المتراكم 8.5 في المئة، أي ضعفَي انخفاض الناتج المحلي (4.2 في المئة) في الولايات المتحدة إبان الركود العظيم (2008). وارتفع معدل البطالة البرازيلية من 6.5 في المئة في منتصف 2014، الى 9.5 في المئة في نهاية 2015. وبعض الانكماش مردّه الى هبوط أسعار السلع. فالبرازيل لم تعد أبرز مصدري المواد الخام، ومنها حبوب الصويا والنفط والقهوة. لكن المشكلة الأكبر ناجمة عن سوء إدارة «ماكرو اقتصادية» (اقتصادية شاملة أو كلية)، تقول مونيكا دي بوللي، خبيرة اقتصاد برازيلية. وتُتهم الرئيسة البرازيلية، ديلما روسيف، بأنها أبقت سعر القروض منخفضاً ورفعت الإنفاق الحكومي وفاقمت العجز، حين أرادت ترجيح حظوظ انتخابها لولاية ثانية في 2014. واليوم، عادت البرازيل عن هذه السياسات لتفادي آثارها الجانبية. فالعجز العام ارتفع من حوالى 2 في المئة من الناتج المحلي الى 10 في المئة في 2015. ومعدل التضخم المالي في 2015، كان 11 في المئة.

ويؤخذ على روسيف أنها تستّرت على زيادة العجز. والتصويت في الغرفة الأدنى من الكونغرس قد يؤدي الى محاكمتها من مجلس الشيوخ إذا لم تتنحَّ. وفاقمت الغضبَ الشعبي فضيحةٌ كبيرة في شركة «بيتروبراس» النفطية. وقدرت الشركة العامة هذه كلفة الرشاوى ومناقصات المنشآت المزورة بـ 3 بلايين دولار. وعشرات من المديرين والمسؤولين الرسميين متورّطون في الفضيحة.

وفي مطلع آذار المنصرم، تظاهر أكثر من 3 ملايين برازيلي للاحتجاج على فضيحتي «بيتروبراس» وروسيف. ومآل هذه الخيبة الشعبية والسياسية، غامض. ويرجح أن تسامح البرازيل مع الفساد يتبدّد. فاستطلاع للرأي خلص الى أن 9 من عشرة برازيليين يرغبون في أن تمضي ملاحقة «بيتروبراس» أمام القضاء قدماً، ولو ساهمت في تقويض الاقتصاد. والى اليوم، يرفد التعثر السياسي التعثر الاقتصادي ويتغذى واحدهما من الآخر. والاضطراب السياسي يقوّض الثقة في البرازيل، فيصاب الاقتصاد بالوهن ويتعاظم الضيق السياسي والقلق. فقطاع الأعمال يرجئ الاستثمار، ولو اقتصر (الاستثمار) على تغيير معدات بائتة.

وتغيير السياسة الاقتصادية عسير. وعلى نحو ما كانت الحال في الولايات المتحدة، تأييد إجراءات تقليص العجز العام الضخم ضعيف. وكثر من البرازيليين يتقاعدون في الخامسة والخمسين. ويجب أن يرفع سن تقاضي معاشات التقاعد والمساعدات الاجتماعية الى 65 سنة. وشطر راجح من الإنفاق الاجتماعي منفلت من كل عقال. فالدستور يقضي بأن يُرفع الإنفاق هذا حين ارتفاع التضخم أو رفع قيمة الضرائب. ويجب تخفيف القيود عن تقليص الإنفاق الاجتماعي، تقول مونيكا دي بوللي. وثمة حاجة ماسّة الى تقييد دور المصارف العامة التي تغرق الاقتصاد بقروض مدعومة.

وخلاصة ما يجري في البرازيل، أن التعويل على «الأسواق الناشئة» لم يكن واعداً. ولم يكن في محلّه افتراض أن هذه الدول، ومجموعة دول «بريكس» على وجه التحديد، ستقلّص التفاوت بين المجتمعات من طريق انتهاج التكنولوجيا المجربة والمطروقة، وتحسين أنظمتها التعليمية والإدارة المحلية. وفات هذه الرؤية المبسطة احتساب أثر الاختلافات الوطنية – تباين القيم والمؤسسات والسياسة والسياسات- في النمو. والبرازيل هي في مثابة مرآة أحوال الصين وغيرها من الدول النامية، مع حفظ أوجه التباين بينها. وعلى خلاف الآمال في 2008 – 2009 إثر الأزمة المالية، لم تكن هذه الدول قاطرة (محرك) النمو في العالم، ولم تؤدّ دور الدول المتقدمة ولم تحلذ محلها. والبرازيل هي فصل من فصول قصة تعثّر الاقتصاد العالمي وأسبابه.
***

* معلق اقتصادي، عن «واشنطن بوست» الأميركية – إعداد منال نحاس