Beirut weather 11.34 ° C
تاريخ النشر November 26, 2016 05:14
A A A
حوار مع فخامة الرئيس «1»
الكاتب: احمد الغز - اللواء

فخامة الرئيس.. إن عموم اللبنانيين يعتبرون ما حدث خلال الشهر الاول من عهدكم الرئاسي هو أمر طبيعي، لأنهم تأقلموا على العيش في الظروف الغير طبيعية، وتعلموا السياسة بأصعب المدارس وأشدها مرارة ايام نزاعهم الطويل، وقرأوا كتب التقلبات الاقليمية والدولية عبر مشاهدتهم الحية للدول والجيوش والثورات والعقائد والموجات التي خرجت كما دخلت لبنان تاركة آثارها السيئة على الوطن والإنسان والعمران.

فخامة الرئيس.. تشاورت مع بعض الأصدقاء حول رغبتي بإطلاق حوار علني مع فخامتكم، ولم ألقَ اي تشجيع، لأنّهم يعتقدون بانعدام ثقافة الحوار في لبنان وعلى كل المستويات، بين مكونات السلطة والمجتمع أو بين النخب عينها او داخل الأحزاب او الطوائف، وأن ثقافة الغلبة والاستقواء والانكفاء هيمنت على ثقافة الاقناع والانفتاح والعيش معاً، مما يجعل من اي حوار مهمة مستحيلة التحقق في لبنان، والجميع لديهم تجارب تعزّز ذلك اليأس والتحلل، مع غياب ابسط أسباب الوحدة الوطنية وهي اعتراف كلّ منا بضرورة الآخر.

فخامة الرئيس.. إنّ الحوار هو نمط عيش للصغار والكبار وكل المكونات وفي كل الموضوعات ، وإنّ ثقافة الحوار تقوم على احترام المسلمات والبديهيات والمحرمات والشعور بالقدرة على صناعة الواقع بدل ان يصنعنا الواقع والأزمات. ومن البديهيات هو ان نجد أنفسنا جميعا في رمزيتكم  برئاسة الدولة ووحدة الوطن بما هما انعكاس لوحدة المجتمع، وأن تجدوا أنفسكم في كل مواطنة ومواطن في لبنان، اي  أن «تكونوننا» منفرداً وأن «نكونـكم» مجتمعين، بما أنتم رمز لوحدة الوطن.

فخامة الرئيس.. إنّ تداعيات الشغور على الوحدة الوطنية لا تعالج فقط باستيعاب المكونات السياسية في الحكومة العتيدة على قاعدة «وداوني بالتي كانت هي الداء»، لأنّ الشغور اصاب اللبنانيين في إنسانيتهم وعقولهم وتمايزهم واستباح معارفهم ومعانيهم وسحل نخبهم قبل عوامهم واستباح اخلاقهم وأدبياتهم الوطنية والتي بدونها تنتفي قيم وحدة الوطن التي إئتمنتم على رمزيتها بعد ان سقطت محرماتها وقدسيتها من ادبيات السياسة والإعلام.

فخامة الرئيس.. ان وحدة الوطن هي وحدة الدولة والمجتمع وهي الإيمان بالروح الجامعة والحافظة للوجود والكيان والتي بدونها يعود لبنان كما عرفناه ايام النزاع والاقتتال والعداء والتشرد والدمار، كما يحدث من حولنا الآن حيث فقدت المجتمعات وحدتها الوطنية، وشربت من بئر التعصب والفرقة الذي شرب منه يوماً شعب لبنان مما أفقده وحدته ودولته وايمانه بوطنه الوحيد والنهائي لبنان.

فخامة الرئيس.. ان تكونوا «رمز وحدة الوطن»، ذلك هو التحدي الكبير الآن، وهذا ما تجاهله الجميع سابقاً، لذلك أردنا ان تكون هذه الكلمات بداية حوار عميق حول هذه المهمة الدستورية والشاغرة منذ إقرارها في الدستور قبل سبعة وعشرين عاماً، وربما تكون الظروف قد سمحت فيما مضى ان يتجاهل الكثيرون تطبيق الدستور بحجة الظروف القاهرة، الا ان الظروف القاهرة الآن تتمثل في تهديد الدول ووحدة الاوطان في كل المنطقة وبدون استثناء، والتي لا يمكننا تجاوزها الا بالوحدة وبتطبيق الدستور الذي انتخبتم على اساسه وأقسمتم بالسهر على احترامه.

فخامة الرئيس.. ربما تكون هذه المحاولة الحوارية معكم مغامرة وربما لا تكون، وربما يتفهم البعض ما اشعر به من قلق على الدولة والمجتمع والكيان وربما لا يتفهمون، وربما يعتقدون ان هناك أموراً للمسيحيين وأخرى للمسلمين فيمن يخاطبون او يحاورون، وربما تقرأون ما كتبته وربما لا تقرأون، الا ان ذلك لا يغير شيئاً في إصراري على احترام ما جاء في الدستور، وهو ان رئيس الجمهورية رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، مع سبق الإصرار والتصميم على ثقافة الحوار.