Beirut weather 8.21 ° C
تاريخ النشر November 24, 2016 03:54
A A A
الإجماع، ذاك الفخ!
الكاتب: زياد بارود - النهار

على هامش مخاض التشكيل الحكومي بجَولاته وصَولاته، يتم تداول مفرداتٍ مستهلكة وأعرافٍ مستجدة ومفاهيمَ لا تمتّ إلى روحِ الجمهوريةِ بصِلة. وبين هذه وتلك، يوحَى الى اللبنانيين واللبنانيات كأن تشكيلَ الحكومة يستوجب حكماً إجماعَ الجميع على الجميع (كلّن، يعني كلّن!) ويتمّ التعامل مع التأليف، بعد التكليف، وكأن ثمة حقوقاً مكتسبة لكل من خاض يوماً معتركاً سياسياً أو ما يشبهه. هكذا يتعامل البعض مع التشكيلة الحكومية العتيدة المرتقبة وكأنها قالب جبنة! رحم الله فؤاد شهاب…

وبعد، هل يكون إجماعٌ في ديموقراطية؟ وخصوصاً عندما يأتي بالفَرض، لا بالسلاسة، وخصوصاً عندما يؤدي، أو يكاد، إلى عرقلةٍ أو تأخيرٍ أو تشنجٍ، لا لشيء إلاّ لأن الإجماعَ في السياسة من سابع المستحيلات، وهو إن حصل، يكون الاستثناء العابر لقاعدةٍ ذهبية تريد للتنوّع أن يقول أحياناً خلافَ ما تجهر به أكثريةٌ، مهما عَظُمت. أن يُجمعَ أهل البلد على شيء، لأمرٌ مبارك، وخصوصاً متى طال الموضوع الأساسيات التي قالت بها مقدّمة الدستور، مثلا. أما أن يدخلَ الإجماع حيّز المتغيّرات السياسية، لا الثوابت، فأمرٌ يستدعي الملاحظات الموجزة الآتية:

1 – في علم الدستور، يندر الإجماع تصويتاً أو اقتراعاً حتى يكاد يغيب كلّياً، وتحلّ محلّه آلياتٌ تتخذ الأكثرية الموصوفة (majorité qualifiée) مجالاً لتعزيز فاعلية اقتراعٍ هنا أو نتائجَ تصويتٍ هناك. هكذا، مثلا، عدّدت المادة 65 من الدستور المواضيع المسمّاة “أساسية” (كتعديل الدستور والحرب والسلم والاتفاقات الدولية والموازنة وقانون الانتخاب والجنسية…) وجعلت إقرارها يحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء الحكومة. وبذلك، فرض الدستور أكثريةً موصوفة (الثلثين) بديلاً من الأكثرية العادية (النصف زائد واحد)، فحُصّن القرار من غير أن يُعطّل بفرض الإجماع.

2 – في علوم الفلك الميثاقي، تدور أيضاً كوكبةٌ من المفاهيم التي تجعل الإجماع مدخلاً إلى الميثاقية أو جسر عبورٍ إليها. والحال أن الميثاقية (المطلوبة، وهي من أركان تنوّع لبنان في وحدته) تتحقق أيضاً من خلال أكثريات موصوفة، لا من خلال إجماعٍ مستحيل. أليس انتخاب رئيس الجمهورية بنصاب الثلثين من تعابير الميثاقية؟ وهل يُنتخب الرئيس بالإجماع أو لا ينتخب؟!

3 – في علم الاجتماع السياسي، تتخذ الدساتير والقوانين القوالب التي يستدعيها تكوين المجتمعات التي ترعاها، وجلّها متنوّع، مركّب، معقّد، غنيّ التركيبة المجتمعية والسياسية. وعلى ذلك، يصبح الإجماع فخّا يُراد به إما ظاهرٌ قمعيٌ نسبته 99.99% وإما تعطيلٌ كاملٌ يشبه ذاك الذي تعانيه جامعة الدول العربية كلّما حاولت إلى القرار سبيلاً.

لكل ما تقدّم، يغدو الإجماعُ تهديداً حقيقياً لحسن سير الديموقراطية وآليات اتخاذ القرارات، وبدل أن يوحي بتوافق، يتحوّل أداة تعطيلٍ ودورانا في حلقة مفرغة. وكما الإجماع، كذلك سلاح “الفيتو” الذي يعطّل في الغالب إرادة مشتركة جامعة.

عودٌ إلى التشكيل والتأليف: أكلة الجبنة كثيرون والقالب متواضعٌ حجما. طالبو الإجماع كثيرون والمتوافر… أكثرية…