Beirut weather 16.25 ° C
تاريخ النشر November 23, 2016 04:03
A A A
الأسد لم يعد بمثابة العدو بل اصبحت روسيا هي المستهدَفة
الكاتب: ايليا ج مغناير - الراي

لم يشهد العالم حرباً تحاك حولها الروايات المخادِعة ويطولها التزوير كالحرب الدائرة رحاها في سورية منذ اكثر من خمسة أعوام، وحرب العراق التي تجرجر معاركها، حيث سقطت الأقنعة عن «الصحافة الحرة المستقلة» وعن «المحللين الجدد» الجالسين في أقاصي الأراضي ولا يلمّون بهذه الحروب ولا يعرفون عنها إلا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وينهالون على الجميع بما يجب ان تفعل هذه الإدارة او تلك وكأنهم ملوك الارض ومخضرمين في فنّ الحروب.

* سورية والعراق في ظلال «المحللين الجدد» والصحافة المسيّسة.

هؤلاء هم أنفسهم الذين تتهافتْ عليهم اليوم الصحافة الغربية لتجسيد آرائهم لانها تتطابق مع ما يشتهيه الإعلامي المسيَّس او الجريدة المنحازة. فمنهم مَن أصبح خبيراً في شؤون «حزب الله» وشجونه لتعداده التوابيت التي تحمل القتلى من سورية، او خبيراً في «الجماعات الشيعية» في العراق لأرشيفٍ يتابعه عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ومنهم مَن يُسوَّق له كـ «خبير في سورية» وهو لم يعرف يوماً شوارعها بل يستقي أخبارها عبر «الواتساب»، أو من خلال الاجتماعات التي تدفع مصاريفها البلدان التي تغذي الحروب السورية كواشنطن او العواصم المجاورة لسورية. والمحيّر بهؤلاء اعتقادهم ان الادارة الاميركية يجب ان تستمع اليهم وتفعل ما يرغبون به لأنهم – «المحللون الجدد» – أدرى الناس بأمور سورية والعراق.

إلا ان مواقف هؤلاء – ومعهم موقف الادارة الاميركية – متضاربة من حيث الأخلاق المهنية والمبادئ القائمة على محاربة الارهاب. وهذا ان دلّ على شيء فهو يدل على ان الصحافة الغربية فقدت استقلاليتها واهتزّت صدقيتها على أبواب الشام وبلاد الرافدين. فنراهم يدعمون «القاعدة» في سورية ويهللون لـ «داعش» وأعماله «البطولية» ضد «الحشد الشعبي الطائفي». فيصبح الشيشاني المحارب في سورية ومعه المغربي والتونسي والصيني والتركي والفلسطيني وغيرهم من «المعارضة المعتدلة المسلّحة» التي يتكلم باسمها سفراء فرنسا وبريطانيا واميركا وممثلوهم وكأنهم حصلوا جميعاً على الجنسية السورية ما داموا يقاتلون روسيا في سورية.

اما اللغز المحيّر فيتعلق بحلب الشرقية ومستشفياتها. فقد كاد ان يدخل عدد المستشفيات التي «دُمرت» في حلب من النظام السوري وروسيا مجموعة «غينيس» بحسب تعداد الصحافة الأجنبية والناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية، اذ بلغ العدد منذ ثلاثة اشهر ولغاية اليوم نحو 90 مستشفى مدمّراً في حلب الشرقية فقط على أساس انه كل يوم، ومنذ اكثر من 100 يوم «يُدمّر آخر مستشفى»، علماً أنّه – وحسب وزارة الصحة السورية – يبلغ عدد المستشفيات في عموم الاراضي السورية 88 فقط. ولا تزال الصحافة الغربية تتسابق على «آخر مستشفى دُمّر» لغاية نشر هذا المقال.

اما النقاش مع «المحللين الجدد» القابعين على بُعد آلاف الاميال من سورية والعراق فيتلخص بما يأتي: إما معنا او ضدنا. اذ نرى على سبيل المثال نقاشاً يكون طرفه إما البروفيسور في جامعة اوكلاهوما الاميركية جوشوا لاندس الذي أمضى أعواماً عدة في سورية ولبنان، او البروفيسور ماكس آبرامز من جامعة نورث ايسترن، مع «المحللين الجدد» وسرعان ما ينتهي باتهام الاثنين بانهما «أسديّان» (تابعين للرئيس بشار الاسد) بمجرد اختلاف وجهة النظر حيال مَن سيحكم سورية في حال إزاحة الأسد وكيف ستكون البلاد فاشلة في قبضة جهاديين غرباء وان الادارة الاميركية والمجموعة الاوروبية لا يملكان اي حل سوى الاستمرار في الحرب.

وهكذا فإما يتوافق الجميع مع هؤلاء المحللين قليلي الخبرة الذين يستقون معرفتهم من مواقع التواصل الاجتماعي، أو يصبح الهجوم السياسي شخصياً يطول الخبراء الحقيقيين الذين خبروا الميدان وعرفوا مآسي الحرب وعاشوا سنواتها على أرض الواقع، فقط لان التيار الساري هو ضدّ الأسد.

الا ان الاسوأ في هذا السياق انه لم يعد الأسد بمثابة العدو بل اصبحت روسيا هي المستهدَفة، وكل ما تفعله في سورية يُوجَّه له الانتقاد اللاذع بسبب دخول هذه الدولة العظمى على خط الشرق الاوسط المفترض ان يكون مجرد «ساحة لاميركا فقط دون غيرها». فحسب الاعلام الغربي، فان كل قذيفة روسية تصيب اما مستشفى او مستوصفاً او مدنيين، بينما كل قذيفة اميركية تصيب فقط «القاعدة» و«داعش». ولربما أوجدت اميركا قذائف متطورة تتعرف على المدنيين من دون ان تنفجر أمامهم، إلا اذا رمى احد المسلحين بنفسه على هذه القذائف؟!

وعندما يبدأ الجهاديون والمعارضة المسلّحة بهجوم واسع، يقف الطير على رؤوس الاعلاميين الغربيين في انتظار النتائج. واذا بدأ النظام بعملية عسكرية يتحرّك عدّاد سقوط المدنيين وتدمير المستشفيات، ويستنفر الاعلام البريطاني – السوري لإظهار براعة البروباغندا الغربية على حساب السوريين وأرواحهم وممتلكاتهم لان الهدف هو إبقاء نار الحرب مشتعلة.

أما نتيجة المعركة فتُعرف، إما عبر تصريحٍ من وزارة الخارجية الاميركية والأمن القومي الاميركي، يطالب بوقفٍ فوري للعنف، وإما بزيارة يطلق من خلالها المبعوث الاممي ستيفان دي ميستورا كلاماً عن مآسي الحرب وعن الحاجة الى إنشاء دولة ضمن الدولة او إدارة ذاتية للجهاديين والمسلحين ضمن المناطق التي يوجدون فيها لإعطاء هؤلاء الفرصة لالتقاط الأنفاس والعودة للحرب من جديد، وهكذا يبدو أن ما من أحد يريد إنهاء هذه الحرب او يعمل بهذا الاتجاه.

ومما لا شك فيه ان ادارة الرئيس باراك اوباما تعتبر «القاعدة» في سورية امتداداً لـ «القاعدة» المسؤولة عن تدمير البرجين في الأحداث المعروفة باسم 9/11. الا ان اوباما لا يريد لأي طرف ان ينتصر على الآخر، ويتيح تالياً لأي طرف ضعيف الفرصة ليعاود الهجوم ويمدّه بالسلاح والمال ما دامت روسيا وايران وحلفاؤهما في حال استنزاف دائمة، وكي لا تقوم لسورية قائمة بعد اليوم على مستوى القوى الامنية والجيش والبنى التحتية.

نعم ان روسيا وحلفاءها لا يستهدفون «داعش» بالدرجة الاولى الا عند الضرورة لان هذا التنظيم، وعلى عكس قاعدة الجهاد، لا يتلقى الدعم العلني في المحافل الدولية أو العسكري والتسليحي والتدريبي من دول الجوار وعلى يد الاستخبارات الاميركية في برامج محدَّدة، كما هو الحال في الاردن. ويقول جاك مورفي، أحد افراد الوحدة الخاصة الاميركية السابق، ان زملاءه تذمروا له في الاردن «لأن أكثر الذين يتم تدريبهم هم من الجهاديين على الرغم من ان وكالة الاستخبارات الاميركية تعلم ذلك».

وهكذا أصبح اللعب على المكشوف: لا تنظر الصحافة الغربية الى تسليح «القاعدة» ومصادر هذا التسليح ولا الى التدريب الذي تقدّمه الوحدات الخاصة الاميركية لمَن يفترض ان يكونوا ألد اعدائهم، بل يطعن «الاعلام الحر» صدقيته وكأنه غادرها الى غير رجعة.

اما في العراق فان الحال ليس بأفضل لدرجة انه من الصعب فهم ما يريده الاعلام الغربي ويروّج له. فهل اميركا مع «داعش» ام ضده؟
يتكلم الاعلام الغربي خصوصاً «المحللون الجدد» عن ضرورة تقسيم العراق لان «الاكراد هم الوحيدون القادرون على مقاتلة داعش، ويجهد للتركيز على «بطولات داعش وبطء الجيش العراقي في التقدم لاستعادة الارض» ليُظهِر إصدارات «وكالة أعماق» التي لم تتكلم يوماً عن خسارة «الولايات» امام بطولات العراقيين.
ويتحدث «المحللون الجدد» وكأنهم خبراء عسكريون مخضرمون بالحروب، فيطرحون السؤال: لماذا تأخر العراقيون باستعادة تلك المدينة او، اذا لم يتأخروا، يتكلمون عن الدمار الذي لحق بالمنازل من دون ان يعرجوا على تضحيات العراق وهزيمة «داعش» النكراء. وكأن القتال في الموصل – المدينة ذات المليون ونصف المليون نسمة التي لم يغادرها سكانها – هو أمر سهل، لاسيما وان رئيس الوزراء حيدر العبادي أعطى أوامره بالحرص على المدنيين بالدرجة الاولى قبل حياة القوى الأمنية المهاجِمة لاستعادة الارض.

ويركز «المحللون الجدد» على دور الحشد الشعبي فيسمى بـ «الحشد الشيعي» و «الحشد الطائفي» و «الحشد الميليشيوي»، وكأن الحشد أتى من خارج العراق. فهناك اكثر من 60 في المئة من الشيعة في العراق والبقية من السنّة والاكراد العلمانيين والآشوريين والشبك والصابئة وغيرهم من الاقليات. ومن هؤلاء يتألف الجيش العراقي ووحدة مكافحة الارهاب والاستخبارات، والوحدات الخاصة والشرطة الاتحادية وقوات العشائر وكذلك «الحشد الشعبي»، الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الأمنية تحت قيادة رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة العراقية.

ويتنافس «المحللون الجدد» لإظهار علم من هنا او تَجاوُز من هناك متناسين ان أكثر الجيوش ديموقراطيةً – الجيش الاميركي – اقترف مجازر وعمليات تعذيب واغتصاب وتجاوزات لحقوق الانسان في العراق. وقتل «داعش»، الآلاف ورمى جثثهم على الطرق وارتكب مجازر جماعية من دون ان يكون الفعل ورد الفعل محموداً او مبرَّراً. الا ان التركيز على سمعة «الحشد الشعبي» له أبعاد اخرى. فالحشد المشترك في معركة الموصل يضم 3000 من التركمان أبناء تلعفر، ومن المسيحيين أبناء سهل نينوى، الذين أتوا لاستعادة ارضهم، مع العراقيين من الطوائف الاخرى، لان العراق لم يكن يوماً حكراً على السنّة والشيعة، بل بلداً للجميع.

لقد أوقف «الحشد الشعبي» مشروع نائب الرئيس الاميركي جو بايدن بتقسيم العراق، ومنع سقوط آمرلي في محافظة طوز خرماتو الشمالية في الفترة التي احتلت «داعش» شمال العراق. ووقف «الحشد» سداً منيعاً امام سقوط سامراء لإفشال مخطط «داعش» بالدفع نحو حرب اهلية تماماً، كما فعل سلفه العام 2006 عندما دمّر المقام الشيعي المقدس للامامين العسكريين. ومنع «الحشد» سقوط بغداد عندما وصل «داعش» الى ابواب العاصمة، وسط بيئة حاضنة قوية على المدخل الغربي للمدينة، واستعاد جرف الصخر والفلوجة وتكريت وساهم باستعادة الرمادي، وها هو اليوم يحاصر تلعفر بعدما طهر غرب نينوى المقابل للموصل وتلعفر ليقطع الطريق بين العراق وسورية من هذه الجهة.