Beirut weather 16.78 ° C
تاريخ النشر April 23, 2016 05:47
A A A
جعجع: خطوات ذكية تُعرّيه!
الكاتب: روزانا رمّال - البناء

يسجل لرئيس حزب القوات اللبنانية استجابته الذكية للمصالحة مع زعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون من قبل المعنيين أو ربما مستشاريه أو حلفاء الظلّ الدوليين الذين نصحوه بكتابة عنوان جديد يفتتح فيه مرحلة ويغلق أخرى إلى غير رجعة، مستفيداً من الأجواء التي حلّت بالجوار، وهي التي شكلت خطراً شديداً على مستقبل المسيحيين في المنطقة.

كان شبه مستحيل، أن يلجأ حزب القوات اللبنانية إلى التعبير عن رغبة بمصالحة مع التيار الوطني الحر لولا أنّ المصلحة المسيحية بالتكاتف لم تصبح غاية مقنعة تقدّم للشخصية الطامحة لقيادة المسيحيين بعد عون الذي شكّل بالنسبة إليه فرصة تقديمه المثلى إلى خصومه. لم يكن ممكناً أن تخلقها ظروف أنسب مما أتت. يدرك جعجع أنّ المصالحة مع العماد عون تجعل منه مرجعية كبرى عند المسيحيين من كلّ الأطياف بكلّ الحسابات. وعلى هذا الأساس كان تشكيل فريق من الطرفين على مدى أشهر لشرح أهداف التقارب المنشود فكرة موفقة تلقفتها القوات كمصلحة عليا لا بدّ من تعزيزها.

ظهر سمير جعجع عند المسيحيين لحظة إعلانه دعم حزبه ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية مثل ذلك الحاضن الذي يحرص على مستقبل المسيحيين في البلاد والمنطقة لينتقل العنوان إلى أسلوب حديثه وخطابه في أغلب المجالس والمناسبات، حيث باتت مصلحة المسيحيين في المشرق التي كان ينادي بها العماد عون لسان حال جعجع.

لشدة ما تحمل خطوة المصالحة مع العونيين من فوائد مجيّرة لصالح حزب القوات، ولشدة ما فيها من شجاعة وكسر للمحرّمات وتعالٍ على كلّ العداوات يبدو طرحها مشروعاً مهندساً بشكل دقيق بدأ يكشف عن مفاعيله تدريجياً، فعلى ما يبدو ليست المصالحة برومانسيتها هدفاً أوحد، بل التضييق على حزب الله أولاً وتربّع جعجع على سلّم الزعامة المسيحية ثانياً في الآتي من السنين.

يدرك حلفاء جعجع الدوليون والإقليميون مدى حاجة حزب الله إلى حليف مسيحي قادر على حمايته من مخاطر العزلة التي تسعى إليها «إسرائيل» بأدوات إقليمية عربية، فتصنيف حزب الله إرهاباً من دول سنية أساسية هو مطلب رئيسي بهذا الإطار. وهو الأمر الذي أقرّته معظم الاجتماعات الخليجية والإسلامية والقمم التي عقدت مؤخراً برعاية سعودية كشف تعاونها اللصيق مع المشروع الذي يصبّ بتكفير أو ترهيب الشيعة من حزب الله وإيران، وفي هذا الإطار يعتبر انسحاب الرئيس الشيخ حسن روحاني من القمة الإسلامية إثر تصنيفها حزب الله إرهاباً إشارة في هذا الخصوص، فانسحابه من قمة تجمع زعماء سنة يترجم ما فهمه روحاني عدم رغبة بقبول الشيعة، أيّ أنّ الشيعة غير مرغوب فيهم في الجوار السني المعتدل، طالما أنّ ذلك تحصيلاً حاصلاً عند التطرف الداعشي والجهادي.

عزل حزب الله والتضييق عليه أكثر ما يأتي داخلياً في ملف الرئاسة، حيث يهدف جعجع تنفيذاً للمطلوب الأساسي إشعار عون بأنه غير مضطر للتعاون أو الارتهان وحتى الاحتماء بحزب الله بعد اليوم لا انتخابياً ولا سياسياً ولا رئاسياً، وبالتالي فإنّ طريق إعادة التموضع باتت أسهل أمام عون وتضييق الطريق أمام حزب الله والعمل على عزله باتت أوضح.

يطلّ جعجع في ذكرى العام الأول بعد المئة لمجزرة الأرمن التي ارتكبها الأتراك فيحيي الذكرى في معراب للسنة الثانية عنوةً، طارحاً تعزيز وتحصين موقعه المسيحي في الشرق من بين الأسباب التي باتت تدفعه لإحياء الذكرى بهذا المستوى على «غير عادة».

مسيحيّو الشرق والأرمن حلفاء وشركاء هذه القضية، هكذا يقول جعجع الذي يحاول أن يخرج كمعلّم من كلّ الأبواب والنوافذ، والذي يبدو أنه نجح بالاستفادة مما جرى في سورية لتجييره في خانة حماية المسيحيين كعنوان عريض أمسك به حتى بات عرّاب الأرمن بعد ما أصبح عرّاب المسيحيين وصالح عون بشكل ملتبس.

المجازر التي شارك فيها حزب القوات اللبنانية في الحرب الأهلية تجعله غير مؤهّل لإحياء مثل هذه الذكرى، وإنْ كان ردّ القواتيين الدائم أنه «لسنا وحدنا من شاركنا في الحرب الأهلية، ولسنا وحدنا من قتل وهجّر»…! وهذا ليس عودة إلى الماضي إنما تاريخ لا يمكن أن يُمحى من مذكرات لبنان يحمل ما فيه الكفاية من التناقض بين استذكار عنصرية الأتراك وتجاهل عنصرية القوات تجاه القضية الفلسطينية والفلسطينيين في لبنان اللاجئين وما كان في صبرا وشاتيلا وغيرها مما لا يمكن تفسيره خوفاً على الوجود المسيحي حينها.

يَعِد جعجع الأرمن بحمل قضيتهم ألف سنة بإيمان أن «لا يصحّ إلا الصحيح» ويتابع أنّ معاناة الشعب الأرمني هي معاناة كلّ المسيحيين المشرقيين، اصطفاف ملحوظ يشفع به مصالحته مع عون حتى كاد يكون إعلان اصطفاف ضدّ المسلمين في لحظة انتخابية بامتياز.

ضربة موفقة لجعجع على مشارف الانتخابات البلدية التي يبدو فيها الأرمن بأكثريتهم من حصة عون وحليفه الطاشناق، وبإدراك جعجع لهذا لا بأس من مسعى يخلط بعض الأوراق والأمزجة. خطى ذكية لجعجع.. تكشف عدم ممانعته للهجوم الكاسح على تركيا من بوابة الأرمن من جهة وتضيّع شكل المسعى الذي بدا قطرياً لجهة دعمه ترشيح عون للجمهورية من جهة أخرى، وإذا كان ذلك ممكناً، فإنّ إخفاء حضوره كإحدى أوراق الغرب والخليج الأساسية لعزل حزب الله داخلياً بات مستحيلاً…