Beirut weather 26 ° C
تاريخ النشر September 13, 2017 05:22
A A A
الأمن القومي في لبنان والنزوح السوري
الكاتب: د.هشام جابر - اللواء

في أواخر نوفمبر من عام 2015، كان لي شرف المشاركة كمحاضر في مسألة «الإرهاب» في ندوة أقامها البرلمان العربي في القاهرة، لمدّة أربعة أيام، وبرعاية الجامعة العربية، بعنوان «الأمن القومي العربي»، وشارك بها حوالة ستة عشر محاضراً ومعقّباً من كافة الأقطار العربي، في مقدّمتهم الأستاذ عمرو موسى، والدكتور مصطفى الفقي، ونخبة من ذوي الاختصاص، لا مجال لذكرهم.
وكانت ندوة ناجحة جدّاً، أتت بتوصيات هامة، نتمنّى أنْ يؤخذ بها، أو أنْ توضع موضع التطبيق.

وقد رأيتُ اليوم، ومن هذا المنطلق، أنْ أطرح مسألة الأمن القومي في لبنان، في ظل ما يجري في المنطقة، وما يجري في لبنان من خلل بنيوي، وشلل سياسي، وأخطار محدّقة، تستدعي رسم خارطة طريق، ربما كانت نافعة إذا ما تمَّ العمل بها، بعد إعادة بناء الدولة، أو ترميم هذا البناء.

بداية، يجب التأكيد على أنَّ الأمن القومي لا يقتصر على الاستقرار الأمني، وردع العدوان الخارجي على أهميّتهما، بل يتداخل مع الأمن السياسي، والأمن الاقتصادي، والاجتماعي، والغذائي، والصحي، إلخ.. ولا يمكن تحقيق ذلك، إلا ببناء الدولة الديموقراطية، دولة القانون، دولة المساواة.. وباختصار، دولة احترام الدستور، وعدم اختراقه أو تجاوزه.

لذا، ليس لنا في هذه العجالة، إلا أنْ نركّز على بعض البنود التي نراها هامّة لبناء الدولة المنشودة، التي تحقّق الأمن القومي، عبر اعتماد سياسات حضاريّة، في كافة القطاعات الأمنية، والمالية، والاقتصادية، والاجتماعية، التربوية، والدبلوماسية، والإعلامية.. وخلافها من المحاور، لتحقيق الأمن القومي المرتجى في هذا الوطن، وضمان استمراريته.

1- بناء الدولة: إنَّ عملية بناء الدولة المدنية في لبنان، دونها عوائق، وحواجز، وموانع لا يمكن الاستهانة بها. أوَّلها أنَّ معظم «أمراء» أو زعماء الطوائف، ليست لهم أيّ مصلحة في إلغاء نظام المحاصصة، وانتقال «رعاياهم» من حضنهم إلى حضن الدولة. وإذا كان القرار إقليميا أو دوليا، فلا أعتقد بأنَّ أيّ دولة إقليمية، لها مصلحة في إرساء دولة مستقلة، ذات سيادة، تحدّد نفوذها في هذا الوطن.
لذا، فالحل باختصار، هو بقانون انتخابات عصري يؤمّن التمثيل الصحيح، قانون نسبي على أساس المحافظة، يتضمّن بنوداً عدّة، منها المساحات الإعلامية، ومنع الرشوة، والترغيب والترهيب، إلخ.. وتُجرى بإشراف دولي، وهذه تكون الخطوة الأولى، تسمى بالانجليزية First Mile Stone، ثم يعمد المجلس العتيد إلى إقرار قانون يضمن استقلالية، ونزاهة السلطة القضائية.. والباقي يتبع..

2- تطبيق اتفاق الطائف، ووثيقة الوفاق الوطني، التي أمست من صلب الدستور قبل البحث في تعديله أو استبداله.

3- البدء بدراسة وتحضير استراتيجية دفاعية، نواتها الجيش القادر على الردع، تسانده قوى شبه عسكرية، بشكل حرس وطني، تستطيع مقارعة العدو الداهم، الذي هو الارهاب، وردع العدو الدائم، الذي هو إسرائيل.
إستراتيجية يعدّها خبراء ولبنان غني بهم، ويقرّها مجلس نيابي يتمتّع معظم أعضائه بأهلية التمثيل، واستقالية منشودة، ودعم انتماء إلى محور خارجي.
إنشاء قوى أمنية يتم اختيار ضبّاطها، وأفرادها، استناداً للكفاءة والولاء للوطن، وليس للزعماء أو للطائفة وأمرائها. وإبعاد الجيش عن السياسة، والسياسة عن الجيش.

4- توحيد أجهزة الاستخبارات، وإذا تعذَّر إنشاء غرفة عمليات مركزية، تمثل كافة الأجهزة، وتعمل على مدار الساعة، تقاطع المعلومات، وتستثمرها، وتصدر القرار وتنقله إلى حيّز التنفيذ في أسرع وقت دون جدل، أو تراخي.

5- تسليح الجيش بناءً لخطة خمسية، تحوّلها الموازنة، والتبرّعات، والرسوم، والهبات، وقبول أيّ هبة عسكرية غير مشروطة، مع الشكر من أية جهة أتت دون خجل، أو وجل، أو حساسيّات.

وقد أعددنا دراسة موجزة للخطوط الرئيسية، لخطة تسليح الجيش، يمكن وضعها بالتفصيل، إذا رأينا اهتماماً جدياً من المراجع المختصَّة.
ولا يقتصر موضوع الأمن القومي على الشأن العسكري، والاستخبارات، والأمني، بل يتعدّاه إلى مفاصل سياسية، ترتبط بالامن الظاهر وتؤثر به، وهي على سبيل المثال لا الحصر: الأمن التربوي، الأمن الغذائي، الطاقة، الاقتصاد، إلخ.. وقبل كل شيء، وقف الفساد، الذي يستشري كالسرطان في كافة مرافق الدولة، ويؤدي بذلك إلى القهر، والفقر، والتمرّد، والعصيان. والموضوع طويل، وشائك، وللبحث صلة.