Beirut weather 28 ° C
تاريخ النشر July 17, 2017 05:39
A A A
طبقة سياسيّة بلا دستور مالي كيف تكون؟!
الكاتب: اللواء

يستسهل اللبنانيون، منذ ما قبل الوصاية السورية، وما بعدها، وخلالها اللعب بالدستور، الذي يتوقف على احترامه استقرار بلد، والثقة باقتصاده، والثقة الدولية بنظامه السياسي والاجتماعي الخ انواع الاستقرارات.
والدستور، في أي بلد، هو القانون السياسي، والنظام العام، حيث تشكل قواعده ومبادئه آليات انتاج السلطة، وتغييرها، وعنه تنبثق القوانين الاجرائية، وتنظم احوال البلاد والعباد.
واذا كان اللبنانيون نعموا منذ ما بعد نشأة لبنان الكبير، منذ العام 1926بولادة الدستور، الذي خضع لسلسلة تعديلات، تناولت اللغة، والعلم، ودولة الانتداب، ومسائل ذات أبعاد سيادية.
وليس من قبيل الصدفة أن يستهل رئيس الدولة، أو رئيس الجمهورية عهده وقسمه بالحفاظ على الدستور، الذي يعيّن الحدود الجغرافية، وحقوق اللبنانيين والمواطنين وواجباتهم، والسلطات ونظامها وطرق عملها، إضافة إلى نظام المالية العامة، وإقرار الموازنة، وعدم الإنفاق من دون قانون، أو وضع ضرائب، إلا انطلاقاً من هذه الوجهة.
تفرض الضرائب، ويخالف الدستور، فلا الموازنة التي نصت المادة 83 عليها يعمل بها: كل سنة في بدء عقد تشرين الأول تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة، ويقترع على الموازنة بنداً بنداً، والسؤال: لماذا جرى تعطيل هذه المادة، ومَنْ المسؤول عن عدم انتظام العمل بها، حتى تبلغ الثماني أو التسع سنوات، من دون أن تقّر، لماذا كانت تشكل الحكومات، وتمضي الإنتخابات النيابية والبلدية والرئاسية، ويجري تعطيل المادة 83، ثم 84، ثم كيف تفتح اعتمادات لنفقات مستعجلة من دون أن يكون هناك موازنة تبنى عليها، ولماذا لم يمارس مجلس الوزراء سلطته التي أولته إياها المادة 86، التي تعطيه الحق بأن يتخذ قراراً يمكّن رئيس الجمهرية من إصدار مرسوم يجعل مشروع الموازنة مرعياً ومعمولاً به.
ومن الجهات التي كانت تمنع استعمال هذا الحق، إذا توفرت شروطه الدستورية، لجهة طرحه على المجلس لإبطال إمكانية استعمال هذا الحق، كي تتمكن الطبقة السياسية، من الذهاب في سياسات الأنفاق العشوائي، والمضي بعقود المصالحة، وتوفير الأموال للنفقات غير المغطاة والتوظيف المفتوح في الوزارات، وإدارات الدولة، وفقا لحسابات مذهبية، وطائفية، تغيب عنها الكفاءة، وتخضع عمليات التعاقد لمنطق التسابق، الميليشياوي، على جسد الدولة المنهوك، الضعيف، لسلخ الجلد، وتجريد العظام من اللحم وحتى الشحم، وصولاً الى نخر بالعظم..
وها هي الطبقة السياسية، في حيرة من أمرها، تعمل ليل نهار، على الخروج من الورطة المالية، المتعلقة بقطع الحسابات، بالسعي الى تعطيل العمل بالمادة 87، التي تربط موازنة العام التالي، أو السنة الثانية بقطع الحساب، أو الحسابات المالية للسنة الأولى، او المنصرمة، بعد أن يكون ديوان المحاسبة قد قال كلمته..
هكذا، تتعطل الحياة الدستورية، وتصبح مواد الدستور، بلا قيمة او معنى، في وقت بدأت فيه الطبقة السياسية التي حدث تعديل في التمثيل المسيحي فيها، لمصلحة ليس العقل المؤسساتي، الذي حقق المعجزة اللبنانية (Le miracle Libanais) في عقد الستينات، وصولاً إلى السنوات الأولى من عقد السبعينات، حيث تفجرت الحرب الأهلية في لبنان، وأتت على الأخضر واليابس، من بنية النظام اللبناني، الإداري، والدستوري والمالي، وحتى وضعيته الدولية والعربية.
عشية نقاش الكتل النيابية، بعد أن تكون حسابات هذه الكتل اشبعت درساً في الاجتماعات الجانبية لبحث موضوع سلسلة الرتب والرواتب، تعود الطبقة السياسية، بكل تلويناتها الطائفية والاجتماعية للدوران حول النقطة المحورية نفسها: إبقاء مالية الدولة خارج حسابات السيطرة، والعلم المالي، الذي ينظم حياة الدول من الناحية المالية، وإدارة النفقات، والمداخيل المباشرة وغير المباشرة..
يجري الكلام عن ربط ما بين الموازنة والسلسلة، وينبري النائب وليد جنبلاط للتحذير من الذهاب بعيداً في نفقات السلسلة من دون حسابات..
المشهد الرتيب نفسه يتكرر: العين بصيرة واليد قصيرة.. الهيئات تحذّر.. الانموذج اليوناني في الواجهة..
غداً، ساعة الحقيقة بين الكلام المعسول، والفعل المقبول، والنهج المعقول.. ولكن جعبة التشاؤم تتقدّم على تفاؤل وزير المال ولله في خلقه شؤون وشجون؟!