Beirut weather 28 ° C
تاريخ النشر May 8, 2017 08:16
A A A
عن خديعة اللعبة الديمقراطية لمن يتحكّمون !
الكاتب: ميشال كلاغاصي ـ موقع المرده

لم يكن مفاجئا ً عدم حسم نتائج الإنتخابات الرئاسية الفرنسية في الجولة الأولى .. إن تقارب نسب الأصوات التي حصل عليها المرشحون الأربعة ( ماكرون , فيون , لوبان , ميلانشون ) , في الجولة الأولى يدل على عدم وجود قيادات فرنسية كبرى قادرة على استحواذ الإلتفاف الجماهيري الواسع حولها .
كما يعكس ذلك حالة الإنقسام الشديد في الشارع الفرنسي خصوصا ً , و الأوروبي عموما ً , داخليا ً بما يتعلق بقضايا الإقتصاد المتردي واللاجئين , وحول مختلف القضايا والصراعات الدولية و سياسات حكوماتها الخارجية , تجاه محاربة الإرهاب , ومواقف تلك الدول من الحرب الكونية في سورية وعلى سورية.
وكان طرح بعض المرشحين وعودا ً إنتخابية تتعلق بخروج فرنسا من مظلة حلف الناتو , عكس محاولتهم لإستمالة الفرنسيين الرافضين والغاضبين من تورط بلادهم بالسياسة الأطلسية التابعة للولايات المتحدة الأمريكية , والتي لم تستطع أن تقدم لهم ما يكفي لحمايتهم من الهجمات الإرهابية التي طالت فرنسا خصوصا ً و أوروبا عموما ً.
إن سرعة التعبير الألماني عن سعادتهم و دعمهم لفوز ماكرون يعكس إهتمام الحكومة الألمانية الحالية بالإنتخابات الفرنسية , و تدخلهم فيها , ويأتي كمؤشر على إحتمالية تدخل غير دول من القوى العالمية و اللوبيات والأيدي الخفية , فليس من مصلحة ألمانيا عودة فرنسا إلى سابق عهد قوتها و منافستها على قيادة أوروبا .
إن الصعود السريع والمفاجئ للمرشح الوسطي إيمانويل ماكرون الذي بات رئيساً لفرنسا استثمره بذكاء حيث سعى ببعض الكلمات إلى استقطاب وضمان إنضمام جماهير المرشحين الخاسرين إلى صندوقه و التصويت له , عبر إطلاقه وعود تشكيله حكومة ً تضمن أوسع التمثيل الشعبي ,وبما سمح لكل الخاسرين من الديمقراطيين والجمهوريين والإشتراكيين و بعض الليبراليين بالإنضمام إلى مؤيديه وأطلقها معركةً ل “الوطنيين” في وجه “القوميين” , اللذين يرى مؤيدوه و حلفاؤه وداعموه وجيرانه الألمان أن في نجاح القوميين ” كارثة” .
فمن هم الوطنيون و القوميون الفرنسيون ؟
إذ يحتاج القارئ العربي التمييز بين هذين المصطلحين بما يوازيهما من إسقاط و معنىً في حياتنا السياسية على مساحة الوطن العربي ودوله وشعوبه , فلطالما كانت فرنسا دولة ً إستعمارية , قامت عبر تاريخها بإحتلال عديد الدول في قارتها و غير قارات , ودأبت على استقدام البشر تحت عناوين كثيرة , عبيد , جنود , خدم , عمال , أو سكان – سمهم كما تشاء- , ناهيك عن الهجرات الطبيعية أو عمليات التهجير التي وقفت ورائها فرنسا و شركائها في دول الإستعمار القديم و الحديث و الحالي , وحصلت على حصتها من مئات الألوف وربما الملايين من الوافدين ( المواطنين ) الجدد , من الاّسيويين و الأفارقة و الشرق أوسطيين عربا ً كانوا أم غير ذلك , ناهيك عن الهجرات غير الشرعية و من عبروا حدودها و مكثوا فيها , ومن استحوذتهم عبر موجات اللجوء القديمة منها و الحديثة.
إن حاجة فرنسا للجنود و للأيدي العاملة , ولمن يملأون أريافها الفارغة , و للخبرات المجانية عبر الوافدين , دفعها لتجنيس ملايين البشر , و أصبحوا فرنسيين بحكم الإقامة و الهوية الجديدة و الإندماج في المجتمع الفرنسي , فهؤلاء ينظرون إلى وطنهم الجديد كوطنٍ يعيشون فيه , و يهتمون يسلامهم و أمنهم ورزقهم و ربما رفاهيتهم , ولا تعنيهم الدولة الفرنسية من حيث الإرث التاريخي و البعد القومي , ولا تعنيهم هيبة فرنسا و لا سمعتها الدولية أو ترتيبها وتصنيفها بين الأمم , ولا تنهمر دموعهم لدى سماعهم السلام أو النشيد الوطني الفرنسي , على العكس تماما ً من أولئك الفرنسيين الحقييقين ( الأصليين ) اللذين يُفاخرون و يتباهون و يعتزون بوطنهم و تاريخه و هيبته و سمعته و حاضره و مستقبله , ويستعدون لتقديم مصالح “فرنسا العظمى” على مصالحهم الشخصية , هذا التباين يفرض إيمان الوطنيين بفرنسا كمزرعة يعيشون فيها , لا ينتمون إليها في العمق , في حين أن القوميين يملكون إنتماءا ً قويا ً يصل لدى البعض حد التعصب و التطرف.
هذا الفارق سمح بولادة مصطلح “الشعبوية” الدارج في فرنسا , و الذي إنتقل مع الأسف إلى الإعلام العربي ترجمة ً لا فهما ً صحيحا ً , فالشعب و المواطنة مختلفان شكلا ً و مضمونا ً عمّا يعنيه الأمر بالنسبة إلينا نحن العرب .
إن حساسية الظروف الدولية و خطورة المرحلة السياسية و سخونة العديد من الملفات , وإحتمالية حدوث ما يخشاه الفرنسيون و العالم كله من حروب عالمية , وتصاعد الهجمات الإرهابية , بالإضافة للدور السلبي – مزدوج المعايير الذي تلعبه فرنسا تجاه دعم التطرف والإرهابيين في سورية و الشرق الأوسط , ومحاربتها التطرف في مالي و بعض الجغرافيا الأفريقية , يعكس تطرفا ً فرنسيا ً على مستوى “الوطنيين” و ال”القوميين” على حد ٍ سواء , و”الكارثة” التي يتحدثون عنها ستحصل دون شك مع غياب قيادات فرنسية وقامات رفيعة على غرار الملك لويس الرابع عشر و الرئيس شارل ديغول.
فتطرف الوطنيين , يُسهم بإضعاف فرنسا أكثر فأكثر , على مستوى السياسة الخارجية التي يَعد بها ماكرون , وبخروجها من حلف الناتو , سيجعلها أضعف ما تكون لجهة حماية نفسها حتى داخليا ً , بالتوازي مع إنتشار التطرف و الإرهاب والمخاطر الداخلية التي يتسبب بها نشاط بعض “الأئمة” , وحساسية موضوع الحجاب , والخلايا الإرهابية النائمة و عودة الإرهابيين الفرنسيين إليها من ساحات ” الجهاد”.. ناهيك عن مدى الرضى الأمريكي حول خروجها من حلف الناتو , مما سيعرضها إلى مخاطر إضافية في محيطها الحيوي الأوروبي و في شرق المتوسط و يهدد مصالحها في أفريقيا و حول العالم .
أما تطرف “القوميين” فقد يجعلها أكثر قوة ً من الناحية النظرية , ويضعها أمام مواجهةٍ مباشرة مع روسيا الإتحادية و ألمانيا , و دفعها إلى مقارعتهم في مجمل الصراعات و الملفات الأوروبية و الدولية , وفي تقاسم النفوذ و المحاصصات الكبرى , الأمر الذي سيفرض عليها فتح مروحة أعدائها يمنة ً و يسرة ً , و بما لا تحتمله فرنسا داخليا ً وخارجيا ً.

يبدو أن فرنسا لا تزال عالقة في مستنقعٍ عميق , لا يمكن لها أن تكتفي برغبات و تصريحات ووعود كلامية , للنهوض من جديد , ويبدو أنه من الأفضل لهال أن تبقى مستسلمة لرغبات من يتحكمون و يؤثرون في وضعها و تموضعها الدولي , و أن تحافظ على قدرٍ من القناعة بما يقدمونه لها و يضعونه في سلتها , لحين أن تمتلك مفاتيح نهضتها و عودتها مجددا ُ , بعد أن تُنجب الأقوياء و على خطى “العظماء” ممن مروا في تاريخها , ويستطيعون إيصالها إلى حيث تنظر و تصبو , وبات من الواضح أن فرنسا انتخبت رئيساً و لم تنتخب قائداً.
يبدو أن الرحمة تجوز على الدولة الفرنسية للأعوام المقبلة .. ففوز إيمانويل ماكرون الذي جمع سهامه و سهام فيون وهامون واّخرون قبل أن يمتلك القوس لربما يكون جزءا ً من الخطة B و من خديعة اللعبة الديمقراطية لمن يتحكّمون !.