Beirut weather 20 ° C
تاريخ النشر April 21, 2017 09:03
A A A
حين تتغلب الحسابات الإنتخابية على الحقوق
الكاتب: موقع المرده

تحاول “القوات” ايهام الرأي العام بأنّ تفاهمها مع “التيار الوطني الحر” بخير وبأنّ موقفها من قانون الانتخابات سليم ينبع من رؤيتها المبدئية لهذا القانون… غير أنّ الوقائع تثبت عكس ذلك.
الأكيد أنّ أداء معراب وكل مقاربتها اختلفت من بعد توقيع التفاهم مع الرابية، فصار ما بعده غير ما قبله. وما بعد تطبيق التفاهم ليس كما قبل التخطيط له!
بداية، من قانون الانتخابات، حيث كانت “القوات” تتباهى بتبنيها للنظام النسبي وتحديداً للدوائر المتوسطة، وقد وثّقت محاضر بكركي هذا الأمر يوم أعلنت “القوات” تأييدها لهذا المشروع ليكون بديلاً للقانون النافذ.
وفجأة، انقلبت معراب على موقفها، وصارت تؤيد النظام الأكثري، تارة تحت عنوان المشروع التأهيلي وطوراً تحت عنوان المشاريع المختلطة، لكن العارفين في ما يدور في عمق الحسابات الانتخابية، يعرفون جيداً أن هذه المشاريع، سواء المختلطة أو التأهيلي بصوته التفضيلي في القضاء، ما هي الا مشاريع مموهة تقوم على أساس النسبية لكن مفاعليها شبيهة بمفاعيل النظام الأكثري.
وأكثر من ذلك، حملتهم ثقتهم الزائدة بالنفس الى الإبقاء جهاراً على النظام الأكثري في المناطق المسيحية وفق اقتراحي جبران باسيل الأول والثاني، لأنهم يدركون جيداً أن تكريس النظام النسبي يعني مقاسمتهم المقاعد وتعريتهم شعبياً.
الأهم من ذلك، فإنّ أسباب رفضهم راهناً للنسبية صار مكشوفاً ويرتبط حصراً بالتفاهم مع “التيار الوطني الحر”، لأن الانتقال من الأكثري الى النسبي يعني وضع حد للتفاهم حيث سيضطر الحزبان الى تشكيل لوائح تنافسية يتواجهان بها أمام صناديق الاقتراع، ولهذا تحارب “القوات” بكل ما اوتيت من قوة لمنع ادخال النظام النسبي الى قانون الانتخابات لأنه سيكون بمثابة السيف التي سيقطع بها رأس التفاهم.
كما أنّها تعرف جيداً أنّ بقية القوى المسيحية، الحزبية وتلك المستقلة، كما الشخصيات التقليدية، ترفض التحالف مع معراب نظراً للتجربة المريرة معها، والخشية من استخدام هذه القوى مطية امّا لقضمهم في نهاية المطاف واما لتذويبهم داخل الوعاء القواتي.
ولهذا فإنّ اعتماد النسبية يعني قيام أقله ثلاث جبهات وقوائم أساسية: “التيار الوطني الحر”، “القوات”، وبقية القوى المسيحية الحزبية والمستقلة. ولكن الأكيد، فإنّ “القوات” ستكون الحلقة الأضعف بين الثلاث لأنها الأقل وزناً وحضوراً، بخلاف ما تحاول الإيحاء به.
يعرف سمير جعجع هذه الخلاصة جيداً، ولذا يشحذ سكاكينه رفضاً للنسبية، لأنها ستكون بمثابة النقطة التي ستطوف بكوب الخلافات مع “التيار الوطني الحر” وتضع له حداً، بعدما تبيّن له أن حساب البيدر لم يتطابق أبداً مع حساب الحقل.
كان الاعتقاد سائداً في معراب أنّ تشابك الأيدي مع الرابية سيسمح لهما بالإطباق على المناطق المسيحية، فيتحول الحزبان الى “قاشوش” يأكل الأخضر واليابس. واذ بأنانية “التيار”، المكشوفة سابقاً من قوى كانت حليفة، قد تؤدي الى اعادة جدولة الحسابات في ذهن رئيس “القوات”. بداية مع تركيبة الحكومة ومن ثم التعيينات الأمنية والإدارية وصولاً الى طبخة قانون الانتخابات. كلها قدمت دلائل ساطعة تفيد بأنّ “التيار الوطني الحر” يتصرف وفق قاعدة “أنا ومن بعدي الطوفان”.
هكذا فعلها سابقاً مع “تيار المرده”، ومع “الكتلة الشعبية”، وغيرهما، وها هو اليوم يعيد التجربة مع “القوات”… واذا كانت تدري ذلك، فهذه مشكلة، واذا لم تكن دارية فتلك مشكلة أكبر.
سواء قالها سمير جعجع ام مارس “التقية” في كتمها، فهو يعد الأيام ويترقب على الكوع بانتظار اللحظة المناسبة للانقضاض على التفاهم مع “التيار الوطني الحر”. هو يعرف جيداً أنه قدم الكثير من أجل التفاهم ولعل أهم ما قام به هو تأييده لانتخاب الجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية، لكنه لم ينجح في استثمار التحالف أبداً.
بالعكس تماماً، هو يخشى تقديم المزيد من التنازلات والخسائر من دون أن يتمكن من تحقيق المكاسب خصوصاً وأنّ “التيار” سيضطر في نهاية الأمر الى مراعاة اعتبارات حليفه الاستراتيجي “حزب الله” الذي قد يخيره بينه وبين “القوات”. وهنا ستكون الضربة القاضية.
هكذا، لا تنفع العضلات الاستعراضية التي تحاول معراب التعويض بها عن حضورها الجماهيري. فهي تتباهى بهيكليتها التنظيمية وباتساع رقعة حضورها الجغرافي، لكن هذا لا يعني أبداً أنها صارت صاحبة نفوذ حقيقي يمتد على كامل المساحة، وبأن سمير جعجع بلغ مرتبة الزعامة. تكفي العودة الى بعض نتائج الانتخابات البلدية التي أثبت أنّ “القوات” عاجزة عن وضع أي قضاء تحت جناحيها، وتحديداً بشري التي صوت أكثر من 45% من ناخبيها لغير خيار سمير جعجع.
وقد بيّنت استطلاعات الرأي في كل المناطق المسيحية أنّ مرشحي “القوات” غير قادرين على تخطي حلفائهم ولا حتى خصومهم، وبأن معراب عاجزة عن فرض حضورها اذا لم تحتكم الى النظام الأكثري الذي يعطي التحالف مع “التيار” الغلبة بسبب الفارق الضئيل جداً كونهما يتمتعان بالسلطة والنفوذ والخدمات، بينما النظام النسبي يعطي لذي حق حقه.
أضف الى ذلك، فإنّ التحالف مع “التيار” ليس مضموناً وفق نظرة “القوات”، طالما أن الثنائي الشيعي يرفض التصويت لكامل أعضاء التحالف في منطاق التماس مع الأصوات الشيعية، ما قد يعرض مرشحي معراب لسقوط مدوٍ.
ليس هذا فقط، يعرف جعجع جيداً أنّ لجبران باسيل طموح رئاسي راح يخطط له منذ دخول الجنرال عون القصر الرئاسي، ولذا لن يتوانى رئيس “تكتل التغيير والاصلاح” عن محاصرة رئيس “القوات” والحؤول دون تمدد نفوذه خصوصاً وأن باسيل مقتنع أن موازين القوى المحلية والاقلييمة لا تسمح لجعجع بتحقيق حلمه الرئاسي.
بالنتيجة، على دفتر حسابات سمير جعجع، لم يثمر التفاهم مع “القوات” الا تعزيزاً لحضور جبران باسيل وقد دفع بالمقابل أثماناً باهظة للحفاظ على هذا التحالف، ليس أقلها فقدان ثقة سعد الحريري، وانفراط التحالف مع “الكتائب” والحزب التقدمي الاشتراكي، كما كل الشخصيات المسيحية المستقلة التي كانت تدور في فلك 14 آذار.
اليوم، يتصرف سمير جعجع بتخبط. لا يدرك ماذا يريد تماماً. في جيبه سلاح واحد لا يزال غير مسخدم وهو مقعد البترون. هل يكفي لتعويض ما دفعه؟ ام سيسحب من جيبه ايضاً؟