Beirut weather 29 ° C
تاريخ النشر April 12, 2017 21:04
A A A
هواية… الانتحار
الكاتب: موقع المرده

دقيقة جداً هي الأحداث التي تشهدها البلاد في هذه الأيام ، بسبب انعدام الخيارات أمام القوى السياسية التي ترى نفسها مرغمة لا بطلة في تجرع كأس التمديد مرة أخرى، بعدما اصطدمت مساعي وضع قانون جديد للانتخابات، بالحائط.

ولكن لماذا بلغت محاولات محاولات التغيير، نفقاً مقفلاً؟
فتلك سيرة طويلة، تبدأ بما أقرته القوى المسيحية خلال لقاءات بكركي الماراتونية وحملت لواءه على مدى سنوات ، حين كانت النسبية المطلقة تناسب حسابات البعض، ولا تنتهي بتعنّت جبران باسيل ورفضه بما كان ينادي به للتمسك حصراً بالاقتراح المختلط الهجين الإلغائي، فقط لأنّ حساباته الشخصية صارت كبيرة، تستدعي هذا الموقف الرفضي.

هنا، لا بدّ من التوقف عند اللقاء الذي جمع وفد “حزب الله” برئيس الجمهورية ميشال عون حيث جرى عرض كل الاقتراحات التي تحسّن التمثيل المسيحي وقد أعاد الضيوف تأكيد حرصهم على السير باقتراح يعيد للمسيحيين أكبر قدر من مقاعدهم “المفقودة”، ولكن مع الحفاظ على مكانة حلفائهم وموقعهم.

الا أنّ المستغرب كان من جانب باسيل الذي نسف كل طروحات تياره السابقة، مشدداً على تمسكه بالاقتراح المختلط… وكأن فيه حبل الانقاذ للمسيحيين، مع أنّ قطبة مخفية صارت مرئية وظاهرة، وحساباته معروفة.

ثم كان اللقاء الرباعي الذي ضمّ باسيل ونادر الحريري والخليلين حيث جرى “نبش” الاقتراح التأهيلي، ولو أنّ النقاش لم ينته الى صيغة نهائية بسبب الخلاف على عدد المتأهلين الى الدورة الثانية. لكن المستغرب أيضاً كان في المؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس “التيار الوطني الحر” حيث كبّر من حجر التفاهم ليعيد احياء طرح مجلس الشيوخ بطريقة مفخخة ، ولكن من باب نسف ما جرى من تفاهم في اللقاء الرباعي… وليس العكس.

هكذا بلغنا حافة التمديد، بعدما جرى الاطاحة بكل محاولات التفاهم على مشروع انتخابي، وبات الخيار بين “سيء” التمديد، و”الأسوء” الناجم عن الفراغ الذي قد يؤدي الى الاطاحة بكل المؤسسات الدستورية، ويفتح الباب أمام سيناريوهات لا يحمد عقباها… وقد يكون أول متكبدي الأثمان، العهد.

ولهذا لا بدّ من التذكير، بأنّ كل الاقتراحات التي عرضت مؤخراً على جبران باسيل لم تأت من خارج السياق، بل سبق له أن وضع بصمة تأييده عليها، وأولها النظام النسبي مع الدوائر المتوسطة. حينها رفع الثنائي المسيحي، ولكن قبل تحالفهما، صوتيهما مطالبة بهذا الاقتراح لأنه يؤمن حقوق المسيحيين ويعطيهم ما لم يعطهم أي اقتراح آخر.

حينها كان لـ”التيار” و”القوات” حسابات مختلفة، فرفعا “يافطة” النسبية بكونها تحسن نتائج القوى المسيحية. ولكن حين التقيا في حلف واحد، صارت حساباتهما مختلفة، وصارت النسبية شراً مطلقاً لا يمكن القبول به، ودفعا ببقية القوى الى زاوية التمديد، بعد أن غسل ايديهم من هذا القرار، مع أنهما المسؤولان بالدرجة الأولى عما وصلت اليه البلاد من مأزق سياسي.

ولهذا يصبح السؤال مشروعاً: حين كانت النسبية تراعي خصوصيات “التيار” و”القوات”، هل كانت منقذة وحبل نجاة، وحين تغيرت الحسابات صارت نظاماً مكروهاً؟ هل تغيرت مصالح المسحيين أم تغيرت مصالح بعض القوى؟

بالنتيجة، إنّ تحويل المسألة الى خلاف مسيحي- مسلم فيه الكثير من المخاطرة لأنّ الخلاف ليس طائفياً وانما هو نزاع بين قوى تعمل بيديها وبرجيلها للإبقاء على النظام الأكثري تحت عنوان رفض التمديد، وبين قوى تعمل على تكريس النظام النسبي في قانون الانتخابات، وهي اضطرت للجوء الى التمديد خشية على الهيكل الدستوري من الوقوع.

وبالتالي إنّ تصوير التمديد على أنه بمواجهة المسيحيين فيه مجافاة للحقيقة وتحوير للوقائع وكأنّ الممدين لا يريدون الانتخابات، بينما رافضو التمديد يريدونها. وهي ليست بذلك، لأنّ تجرع كأس التمديد ما كان ليحصل لولا تعنّت جبران باسيل وحصر خياراته بالاقتراح الإلغائي فقط دون سواه، رغم سعي “حزب الله” الى الوصول الى صيغة تفاهمية مبنية بشكل أساسي على النظام النسبي تماشياً مع أفكار رئيس الجمهورية وطروحاته الدائمة.

هكذا يصبح السؤال: هل هكذا يردّ جبران باسيل الوفاء لـ”حزب الله” الذي واجه كل الضغوطات وتمسك بترشيح الجنرال حتى بوجه سليمان فرنجية؟

وهنا لا بدّ من الإشارة الى أنّ الأحداث حتى الآن أثبتت أنّ التمايز بين رئيس الجمهورية ورئيس “تكتل التغيير والاصلاح” لا وجود له، لأنّهما أظهرا كل بطريقته تمسكه بالنظام الأكثري مع أنهما كانا يناديان بعكس ذلك، حتى أنّ رفضهما للفراغ يخبىء قبولاً غير مباشر بقانون الستين الذي يبقى ساري المفعول طالما لم يولد أي قانون بديل… وفي أحسن الأحوال فإنّ الاقتراحات التي يقدمها باسيل شبيهة بمفاعليها نتائجها لقانون الستين.

اليوم، تقوم القوات والتيار بتعبئة الشارع بشعارات طائفية ليست أبداً لمصلحة المسيحيين، كما يحاولون استخدام منبر بكركي بعدما تناسوه لأشهر وأشهر واذ بهم يعودون اليه اليوم لتوجيه الرسائل لا أكثر.

هذا دون أن ننسى أنّ الرئيس عون اقترح في خطابه خلال القمة العربية أن يلعب لبنان دوراً توفيقياً بين العرب بشخصه كرئيس للجمهورية وهذا محل تقدير ، الا أن أضعف الايمان أن يمارس هذا الدور بين اللبنانيين، قبل أن يمارسه في الخارج، وهذا ما ينتظرونه منه خصوصا بعدما توجه الى اللبنانيين مستعملا صلاحياته الدستورية وفقا لنص المادة ٥٩ منه ، معنوناً مبادرته بالحفاظ على الدستور …
وما المحافظة على الدستور سوى الالتزام بمواقفه التي على أساسها انتخب رئيسا وهي تطبيق النسبية الكاملة …

وعليه، لا يصير الخطر في التمديد وانما في ارجاع المسيحيين عشرات السنين الى الوراء بسبب الخطاب الطائفي وفي خسارتهم لثقة محيطهم من دون أن يربحوا أي بديل كما وفي خسارة فرصة ذهبية لتكريس النسبية التي تؤمن التعددية داخل كل الطوائف…