Beirut weather 23 ° C
تاريخ النشر February 12, 2017 04:22
A A A
شخص ينتحر كل يومين أو ثلاثة في لبنان
الكاتب: كوزيت كرم الأندري - الأفكار

كل 40 ثانية هناك شخص يحاول أن ينتحر في مكان ما من هذا العالم، وفق ما أكدت <منظمة الصحة العالمية>. هذا يعني أن هناك 15 شخصاً يقدمون على الانتحار في الدقائق التي تقرأون خلالها هذا الموضوع، ومنهم في لبنان حيث تسجل السلطات الرسمية حالة وفاة كل 3 أيام، والنسبة في الواقع أكثر ارتفاعاً كون الكثير من الحالات تُطمس لأسباب ثقافية واجتماعية ودينية…
<الأفكار> وضعت الانتحار تحت المجهر مع البروفيسور زياد نحاس وهو رئيس دائرة الطب النفسي في الجامعة الأميركية، ومدير برنامج (اضطرابات المزاج).

ــ هل الانتحار عمل شجاع أم عمل جبان؟
– من الصعب الإجابة عن هذا السؤال. ما نستطيع قوله هو أن الانتحار عمل إلزامي بالنسبة للمريض، الذي يشعر أن ما من حل آخر لمعاناته ومشاكله. 90 بالمئة من حالات الانتحار لها علاقة بالأمراض النفسية.

ــ وفق خبرتكم في هذا المجال، من حاول الانتحار مرة ولم (ينجح) في وضع حد لحياته يحاول أن ينتحر من جديد؟
– نعم.

ــ ألا يخاف بعد التجربة الأولى؟ بعد معرفة ماهية الانتحار؟!
– كلا.

ــ التقارير تشير إلى زيادة معدل الانتحار في لبنان، في العام 2014، بنسبة 25 بالمئة مقارنة مع الأعوام السابقة. ماذا عن العامَين 2015 و2016؟
– وفق الإحصاءات التي حصلنا عليها للتو من السلطات المعنية، هناك 139 حالة انتحار سنة 2015 و126 حالة سنة 2016، وهو معدل مرتفع وخطر إذ يعني أن هناك شخصاً ينتحر كل يومين أو ثلاثة أيام، هذا ما عدا أولئك الذين لا يتم التبليغ عنهم، أي أن المعدل أكثر من ذلك على أرض الواقع.

ــ ماذا عن الدول العربية الأخرى؟
– ندور في الفلك عينه تقريباً، لكن يُخيّل لنا أن أرقامهم أكثر انخفاضاً لأنهم لا يصرّحون كثيراً عن حالات الانتحار لديهم.

العائلة والدين رادعان
ــ هل من عوامل تشكل حصانة ضد الإقدام على الانتحار؟
– هناك عاملان أساسيان يشكلان رادعاً ضد اتخاذ هكذا خطوة هما: العائلة والتدين.

ــ هل فعلاً لا يزال الدين يشكل عامل ردع؟
– نعم، لدى العديد من المرضى النفسيين الذين أتابعهم معتقدات دينية تقمع ميلهم أو رغبتهم في قتل أنفسهم، لاعتبارهم هذه الخطوة مرفوضة دينياً.

ــ تحدثتم عن العائلة، إذاً الوحدة تزيد الطين بلّة في هذا الموضوع؟
– الوحدة عامل مؤثر طبعاً!

ــ من يقدم على الانتحار أكثر: الرجل أم المرأة؟ وما هي الفئة العمرية الأكثر تسجيلاً للانتحار؟
– نسبة الرجال الذين ينجحون في قتل أنفسهم أعلى من تلك المسجلة لدى النساء، لأن الرجل يعمد إلى طرق عنيفة لقتل نفسه، وبالتالي تكون وفاته شبه مؤكدة. صحيح أن النساء يقدمن على هذه الخطوة أكثر من الرجال، لكن يعمدن إلى وسائل أقل عنفاً مما يسمح بإنقاذهن أو بنجاتهن من الموت. أما بالنسبة للعمر، فليست لدينا في لبنان إحصاءات حوله، لكن في أميركا مثلاً، الذين يضعون نهاية لحياتهم هم أشخاص على عتبة الـ65 سنة وما فوق. أما بالنسبة للشباب فالانتحار عملية يلجأون إلى تنفيذها ما بين الـ14 والـ24 سنة. فقد سُجل الانتحار على الصعيد العالمي، كثاني أهم أسباب للوفيات لدى من تتراوح أعمارهم ما بين 15 و29 عاماً. إنها مشكلة تشمل البالغين والأطفال من الجنسين وفي جميع مناطق العالم.

ــ ما هي الوسيلة الأكثر اعتماداً للانتحار في لبنان؟
– السلاح، لاسيما بالنسبة للرجال كما سبق وذكرت. النساء يلجأن أكثر إلى جرعات من الأدوية. الأمر يختلف من بلد إلى آخر. في الهند، مثلاً، من الشائع أن تحرق المرأة نفسها لتنتحر.

– من ينوي الانتحار يقولها صراحة، أو كما نقول بالعامية <اللي بيحكي ما بيفعل>؟
– أي تعبير من هذا النوع، وإن كان من باب المزاح، يجب أن يُؤخذ بجدية، لا سيما إذا تزامن مع عوارض نفسية أخرى. من الأفضل أن يُؤخذ الأمر على محمل الجد وإن اكتُشف لاحقا أنه كان عابراً، من أن يحصل العكس.

ــ هل الانتحار ينتشر أكثر لدى الطبقات الوسطى والفقيرة؟
– العوامل الاجتماعية والاقتصادية أساسية وتزيد من الضغط النفسي طبعاً، إلا أننا نسجل حالات انتحار في كل الطبقات الاجتماعية.

ــ أليست النسبة مرتفعة أكثر في الأوساط الفقيرة؟
– كلا.

تأثير العامل الجيني
ــ هل يمكن للسكينة (لدى الشخص الغارق في الإحباط) أن تُترجم على أنها هدوء ما قبل العاصفة؟
– السكينة هنا هي من عوارض الكآبة، ولا يمكننا أن نعتبرها رغبة في الموت. في عملية الانتحار الكثير من التردد. يشير الخبراء إلى أن الدقائق الثلاث الأخيرة هي الحاسمة بالنسبة لمن يقدم على هذه الخطوة. من هنا أهمية المساعدة وضرورة الخط الساخن الذي نعمل على إنجازه.

ــ هل في مسألة الانتحار، أو المَيل له، عامل جيني وراثي؟
– هذا صحيح. فالانتحار قد ينتج عن أمراض نفسية منها الاضطراب العصبي، الاضطراب العقلي، الفصام، الإدمان على الكحول… وهذه الأمراض تنتج بدورها عن عوامل وراثية كون الجينات تحدد مدى قدرتنا على التحمل، مدى حصانتنا ضد المعاناة، مدى خضوعنا لرادع معين…

ــ الخبراء في الشأن الصحي ينتقدون التغطيات الإعلامية المكثفة لحوادث انتحار المشاهير، معتبرين أن ذلك يقدم الانتحار كحل للهروب من المشاكل التي يعانيها الشخص، وبالتالي يشجع الفئات الهشة على الإقدام عليه. هل توافق؟
– منظمة الصحة العالمية أصدرت في هذا الصدد توصيات لوسائل الإعلام حول كيفية التعاطي مع هذا الموضوع وتغطية الخبر، أبرزها ألا ننقل الحادث بشكل مثير وألا يتم التركيز على طريقة الانتحار بحيث يبدو الإعلام وكأنه يعطي الصيغة الممكن اعتمادها للانتحار. كذلك تشدد المنظمة على عدم نشر صور تظهر الوفاة.

%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ad%d8%a7%d8%b1

ــ من يقدم على الانتحار يريد فعلاً أن يموت أو أن غايته الأساسية التخلص من معاناته، وربما لفت الأنظار إليه؟
– جلّ ما يريده من يحاول أن ينتحر هو وقف الألم الذي يرزح تحت ثقله. طبعاً لا يمكننا التعميم. هناك اختلاف في الحالات والأمراض والحاجات. من هذه الحالات حاجة الشخص إلى لفت الانتباه كما تقولين. فهو قد يعجز في التعبير عن حاجاته بطريقة صحيحة، وفي هذه الحالة تأتي محاولة الانتحار كصرخة يقول من خلالها (أنا عايزكن اطّلعوا فيي).

ــ هل يمكن لمن حاول الانتحار ذات يوم أن ينطلق بقوة من جديد؟
– طبعاً! الأمراض النفسية تُعالج والأهم أن الطاقة تبقى هنا، تبقى موجودة في الشخص وإلا لما عملنا نحن ولما عالجنا.

ــ كيف يمكننا قياس أنفسنا لمعرفة ما إذا كنا نقع في خانة الإتزان النفسي أو عدمه؟
– في شخصية أي منا نسبة معينة من السيطرة على الانفعالات، من التنظيم العاطفي والميل إلى التشاؤم… إنها موجودة لدينا جميعاً لكن بنسب مختلفة. تضخّم هذه النسب عند البعض قد يؤدي إلى خلل في الاتزان.

ــ هل من تمارين ممكن أن يتبعها أحدنا ليحافظ على اتزانه أو ليصبح أكثر اتزاناً؟
– هناك مروحية من الأمور التي تحصّن صحتنا النفسية، منها كيفية التعاطي مع الجهد والضغط النفسي، الحفاظ على التوازن ما بين الحياة العملية والحياة العائلية، كيفية تقسيم الوقت بحيث يكون هناك استثمار عاطفي في أكثر من مجال، حتى إذا ألغي أحد هذه المجالات يتم التعويض عنه بمجال آخر. إنها عناصر تساعد في الحفاظ على حياة عاطفية متوازنة، يضاف إليها التمارين البدنية التي نعتبرها بغاية الأهمية كونها خطوة طبيعية لمحاربة الاكتئاب. لكن أود أن أشير هنا إلى عامل أساسي في مسألة الانتحار وهو تعاطي المخدّرات لأن الإدمان يخفف من القدرة على ضبط النفس، وبالتالي إذا ترافقت الكآبة مع الإدمان يشكل ذلك عاملاً أساسياً من العوامل المؤدية للانتحار.

الخط الساخن
ــ متى سيصبح لدينا في لبنان خط ساخن للمساعدة على عدم الانتحار؟
– نحن، في جمعية إمبرايس Embrace التي تسلط الضوء على الانتحار وتجمع الإحصاءات للتوعية حول هذه المشكلة، بدأنا منذ سنة السعي للحصول على تبرعات تسمح لنا بإتمام مشروع الخط الساخن. فهو يحتاج إلى تحضيرات عملية مهمة، لاسيما على صعيد تدريب الطاقم الذي سيتولى الإجابات ومتابعة الحالات عبر الهاتف.

ــ من هم هؤلاء الناس، أعني ممن سيؤلف هذا الطاقم؟
– هناك أكثر من نسق حول العالم، منها نسقان أساسيان: إما إدارة الخط الساخن من قبل محترفين وإما من قبل متطوعين متدربين. التجارب برهنت أن الأداء يكون أكثر فاعلية حين يجلس متطوعون وراء الهاتف، لأنهم غالباً ما يصغون جيداً لرواية المتصل ويحاولون توجيهه، فيما المحترف يميل إلى القفز مباشرة باتجاه الحل. نحن ننوي المزج ما بين النسقين، بحيث يكون هناك متخصصون متدربون للإشراف على الخط الساخن ومتطوعون مهتمون بالموضوع، يتدربون على كل ما له علاقة بالصحة النفسية.

ــ هذا يعني أن انطلاقة الخط الساخن قريبة؟
– نعم. إمبرايس وقعت تعاقداً مع بيفرندرز وورلدوايد Befrienders Worldwide، وهي من أكبر الهيئات التي تصل خطوط المساعدة حول العالم. وقد أتت إحدى الشخصيات الأساسية في هذه الهيئة إلى لبنان لمساعدتنا في الشق اللوجستي، وهي ستعود في غضون أيام ليبدأ التدريب، على أن نفتتح الخط الساخن في الصيف المقبل.

ــ دكتور نحاس، هل لديك الجرأة أن تكشف عن أعماقك وأن تقول، مثلاً، إنك تعاني من مرض نفسي معين أو عقدة ما؟
– طبعاً! أنا اختبرت الكآبة يوم كنت في مرحلة التدريب المهني منذ حوالى عشرين سنة، وتعالجت من تراكمات عديدة بدأت مع وفاة والدتي يوم كنت في الحادية عشرة من عمري. استمر علاجي لمدة 3 سنوات بمعدل جلستين في الأسبوع.

ــ قرأت أن تركيزكم على مشكلة الانتحار بدأ مع وفاة قريب لكم، هل هذا صحيح؟
– هذا صحيح، والصدمة كانت كبيرة لاسيما وأنه بعد انتحار شقيق زوجتي بفترة وجيزة انتحر صديقه ثم صديقته بعد 7 سنوات. إنها مآسٍ تهز العائلات بعمق.

ــ نحن نقصدكم لنتعافى من أمراضنا النفسية. أنتم من تقصدون؟ بتروحوا عند بعضكن؟
(يضحك). – المفروض!

ــ هل أنتم متوازنون نفسياً أو تعانون مثلنا من ألف عقدة؟
– كلّنا عنا عقد.